أخبار عاجلة

انزل من برجك العاجى يا دكتور مراد

لجأت هنا إلى مخاطبتك علناً، أيها الأخ العزيز والصديق العنيد الدكتور مراد وهبة، بعدما يئست من إقناعك شفوياً بالتخلى عن عزلتك للنزول إلى الساحة العامة حتى تنشر رسالتك بين الناس.

لماذا هذا؟ لأن فى خطر، ولأن العالم أيضا فى خطر، ولأن كليهما فى حاجة ماسة إليك كما سأبين هنا. أما عن هذا الخطر المشترك فما هو إلا ما طالما أنذرت أنت به خلال العقود المتتالية لنضالك البطولى فى ظل الأنظمة المتتالية التى حكمتنا، أعنى انتشار الأصولية الدينية الإرهابية وغزوها العالم بأسره انطلاقا من الشرق الأوسط. فى مصر لأنها وطنك الأول؛ والآن لأن مصر تواجه حاليا بالذات تحديين خطيرين للغاية؛ أولهما إنجاح منظومة إعادة البناء الداخلى الشامل، مع ما يلازم هذه الملحمة من نقاش شعبى عام، مسؤول وحضارى، رغم تصادم المصالح الفئوية وسعى البعض إلى اقتناص الفرص لتصفية حسابات قديمة، إلى ما غير ذلك من عقبات وصعاب، مما يجعلنا فى حاجة ماسة إلى استلهام فكر وطنى جديد يجمعنا.

أما عن الخطر الداخلى الثانى الذى يسمم لنا الجو فهو سعى الإرهاب إلى شن حرب أهلية هدفها عودة الإخوان إلى الحكم مع مخططهم الجهنمى بتقسيم مصر الكنانة إلى ولايات خاضعة للخليفة المنشود.

ألا ترى، يا أخى العزيز، ألا ترى يا دكتور مراد، أن واجبك الوطنى الأول والملح يقتضى نزولك فورا إلى الساحة العامة للمشاركة ـ قياديا أم لا ـ فى بلورة تيار فكرى يلم شملنا معنويا ويدفعنا بحماس نحو المشاركة المسؤولة فى تنفيذ البرنامج الرئاسى الطموح الذى سنوافق عليه؟

ولننتقل الآن إلى الميدان الثانى لرسالتك والذى وصفته لك أعلاه بوطنك الثانى؛ وكيف لا يكون كذلك وأنت تجوبه منذ أكثر من نصف قرن سواء للاشتراك فى مؤتمرات فلسفية، أو لتنظيمها، أو لتدريس طلبة الجامعات بلغتهم، شارحا لهم الفرق بين فلسفة ابن رشد وفلسفة ابن تيمية ومبيّنا ما يترتب على اختيار إحداهما أسلوبا فى التفكير أو فى التطبيق، إلى أن أصبح العالم الحقل الشاسع الذى زرعت فيه فكرك وكافحت فيه التخلف كاشفا له حجم الحرب الكوكبية التى أعلنها الإرهاب على أمريكا وعلى الغرب فى سبتمبر 2001 بتفجير برجى مركز التجارة العالمى بنيويورك.

إنّ ما حققته حتى الآن بجدارة وعناد يا دكتور مراد - بل وقد تكون الأقوى «كوكبيا» والأشمل فى ذلك - هو رسم أبعاد الخطر المفزع الذى يهدد السلام العالمى، وهو معقدة من حروب متناسقة ومتناقضة فى ذات الوقت، سينقلب خلالها الشريك عدوا على شريكه حسب الظروف والمصالح ؛ حروب قد تدوم قرنا كاملا.

ولما كان الفضل يعود لك فى إثارة هذا الموضوع الحيوى والكارثى معا على الساحة العالمية وبهذه الكفاءة العالية، فقد أصبحت أنت المسؤول الأول عن طرحه ودراسته على نطاق هذه الساحة مع اكتشاف الأساليب الكفيلة بالتغلب على تلك الآفة نهائيا. ألست من الشخصيات الخمسمائة المصنفين عالميا بأكثر الفلاسفة شهرة؟

وإن سمحت لى بإبداء رأيى الشخصى فى هذا المضمار، أرى أن المؤتمرات الوقتية واللقاءات الخاطفة لن تجدى إلا إذا نتج عنها مشروع راسخ مثل تأسيس هيئة عالمية مستقلة ومستدامة تضم فلاسفة متخصصين وسياسيين مخضرمين. مهمتها تنوير الرأى العام وتزويد المسؤولين العالميين بنتائج أبحاثها وإفادتهم باقتراحاتها من أجل التغلب على هذه الظاهرة الإجرامية، وذلك بالإضافة إلى كون هذه الهيئة الملتقى المفضل للندوات واللقاءات العامة حول هذه القضية.

والآن اسمح لى، أيها الصديق العزيز، بكلمة خاصة وأخيرة: أعتقد إيمانيا أن أى مسعى من أجل السلام أو الخير العام إنما يأتى أولا وأساسا بتكليف مباشر من خالقنا تعالى أى، خذ لى بالك، أن من يكلفك بمهمتك المقدسة هذه هو المطلق الوحيد الذى تعترف به أنت، مما يغنيك تماما عن مناقشة هذا التكليف معه تعالى دفاعاً عن حقك فى النسى...

انزل إذن إلى الساحة العامة مطمئنا وجريئا كعادتك يا دكتور مراد! وفقك الله فى مساعيك الجبارة من أجل ترسيخ السلام فى مصرنا الحبيبة وفى العالم أجمع.