أخبار عاجلة

هؤلاء هم رعايك ياافندم

المشير السيسى «الرجل الرجل»، ولا أضيف على اسمك لقباً أو وصفاً أو نعتاً، فهذه المحسنات البديعية كانت لغة الشعراء وهم يمتدحون الخليفة، وما أنا بشاعر ولا أنت بخليفة. وفى مثل عمرى لا أبغى منصباً ولا أتكالب على وظيفة مستشار ولا أحلم بدفء بطانة ولا بمظلة سلطة. وقد عشت- بفضل رب الكون- رئاسة نجيب وعبدالناصر والسادات ومبارك ومرسى ومنصور والسيسى.

والإنسان فى نهاية الأمر مجموعة خبرات حياتية ومهنية يكتسبها بالممارسة وبطول الزمن، خصوصاً أنى أجزم بأن جيلنا لم يتخاذل. كما ذهب فاروق الباز فى أحد اجتهاداته ليقترب من شباب يناير الثوار قبل اعتلاء «الدقون» المنصات. لا أملك- أيها الرجل الرجل- سوى خبرات متراكمة استثمرتها فى قلمى المتواضع الذى ينتمى لزمن أحمد بهاء الدين وعدستى حين كان «حديث المدينة» هو «البرنامج» الذى تربى عليه الناس وعمره 20 عاماً أو يزيد، حين كانت موسيقى لحنه المميز تشد الأذن قبل العين. وأدعى أنى أعرف- ياافندم- ناس مصر بنسبة معقولة عبر حوارات ومناقشات، فقد كنت بالعدسات أجوب شوارع الكنانة وقراها وحاراتها وزواياها. وأملك أن أقول إنى عرفت كيف «أدوس» الأرض التى مشيت عليها. وكلمة «أدوس» منقولة عن فنانتنا الكبيرة سميحة أيوب فهى قبل الظهور على خشبة المسرح تعودت أن تدوس الخشبة أى تحسها وتشم عبيرها، وربما تسمع أنفاسها. هكذا فعلت مع الشارع المصرى. فلم يكن لى استديو مكيف أرى فيه الناس ولم أكن أطل عليهم من بنوار بل خالطتهم بعرقهم وترابهم- لم أكن سائحاً يجوب الشوارع بكاميرا، ولم أكن موظفاً فى الشؤون الاجتماعية يسدد الخانات بقلم كوبيا. كنت أنزل إلى آبار المشاكل أنقب عن الحقيقة بقدر ما استطعت، ولعل «حديث المدينة» هو أقدم صحافة تليفزيونية عرفتها الشاشات. كنت أشتغل بحماس لم يفتر فى صحبة عقلين مصريين كانا بجانبى «مرجعاً فكرياً للمحتوى الباحث عن مضمون» هما عالما الاجتماع د. سيد عويس ود. أحمد خليفة، وكلاهما عرف ناس مصر دراسة وتحليلاً وتمحيصاً وتشريحاً. هما الذهن الكاشف وحديث المدينة هو «الأنماط الحية» صوتاً وصورة.

وأدخل فى لب الموضوع. رأيتك وسمعتك- أيها الرجل الرجل- تراهن بشدة وبإخلاص نادر على ناس مصر فى الزمن القادم. أنت تتكلم عن المصريين بإحساس شاعر وقلب أم وانضباط عسكرى. أنت للحق مفتون بالهوى المصرى، وأكاد أشعر أن جيناتك فيها طمى النيل وصوت الشيخ محمد رفعت ورحلة العائلة المقدسة إلى مصر وقصائد أم كلثوم. هذا الإيمان بدور المصريين القوى يشى باعتقادك الجازم بأن الجماهير البسيطة تعلم السياسى ألف باء السياسة، ولهذا يصل صوتك إلى القلوب قبل العقول. وللجماهير فطنة «تلتقط» الحقيقة من بين الدهاليز، حيث لا تتوفر هذه السمة إلا للشعوب ذات العمق التاريخى. وأستأذن فى وضع ملامح «رعاياك» ياافندم أمامك فهذه الملايين التى تراهن عليها يجب أن تعرفها حق المعرفة. صحيح كانت 30/6 «أيقونة» زمانك. يوم عرفت رعشة الدهشة وشممت عطر الفرح والحضور. يوم ملأت الملايين كل شبر فى مصر لتقول «ارحلوا» لغرباء دقوا يوماً على أبواب بيوتنا، فلما فتحناها بحسن نية أشهروا الرشاشات فى وجوهنا. كان لابد أن يرحلوا إلى الأبد وإن بقى الذيل ينغص فرحتنا وفرحتك. أرجو أن تدقق كثيراً فى الملامح التى أكتبها بحبر التجربة الميدانية، واضعاً فى حسابى التغييرات الهائلة الطارئة على شخصية المصرى.

1- «لاقينى ولا تغدينى» كلمتان ينطق بهما الحس الشعبى تلخصان حاجة المصرى إلى الكلمة الطيبة واللمسة الحانية والرد على الباب. كلمة الترحاب لها سحر، فهى تفتح المسام قبل الأذن، وتجاهل الرد يثير غضب المصرى وحنقه.

2- هذا المصرى: شبع كلاماً حتى أصابه المغص الكلوى وامتلأت معدته بأحلام تعفنت، وبات يحلم بفعل يعيده للحياة بعد موات وقحط السنين. هو يعيش «حالة شك» فيما يسمع وحالة «عدم ثقة» فيما يقال له. ومتذمر يؤجل ثورته إلى إشعار آخر.

3- حين كان المصرى يعيش فى نصف بحبوحة من العيش، كان قنوعاً وراضياً، ويوم دخلت الطبقات بثراء فاحش، انقلبت موازين الطبقة المتوسطة وعرف «المقارنة» بالآخر، وتسرب إليه الحسد والحقد، وأصابه «التوحش» ويطالب بالمزيد، وما بعد المزيد.

4- ذكاء المصرى مزيج من القدرية والفهلوة، و«الرزق يحب الخفية» ولا تهمه النتائج المستقبلية. يريد أن يرى الناتج والمحصول أمام عينيه والآن فوراً، وعلاقته بالمستقبليات مقطوعة، وهذا دليل «عدم النضج الكافى» رغم مفاجآته فى المحن والكوارث.

5- مصارحته بالموقف ضرورة حتى ولو كره الطبيب، ولكن لا تتركه «على عماه» فالجهل بالحقيقة يسهل عليه التفكير السلبى أو الانصياع لهذا الاتجاه. وقد عانى المصرى من المسكنات طول عمره حتى أصبح لا يطيق «تناولها» وأصبح يقيس «عجز الدولة» بالمسكنات وعدم الوفاء بالوعود.

6- المصرى لديه خبرة فى اكتشاف صدق المسؤول أو كذبه. إنه يشم الصدق، ومن عبقريته أنه يلتف حول الصادق وينفض عن الكذاب حتى لو لم يعلن ذلك.

7- المصرى «يخاف مايختشيش»، وبعد الثورة الينايرية استوى عنده الصالح والطالح والنظام والفوضى، وصار يفعل ما يحلو له وتعود على حمل السلاح «سكينة أو قرن غزال» والمصرى «آخر طبعه» ميال للعناد مع السلطة. ومن يوم «قطع الطرق» ورئيس الوزراء «سامحه الله وعفا عنه» الذى نفذ مطالب المحتجين، وصار هذا الفعل السيئ نمطاً، لإجبار الدولة على تحقيق المآرب.

8- المصرى- فى اختيار نائبه البرلمانى- أسير العصبية فى الصعيد- والمصالح فى المحافظات الكبرى. والوعى كبر بإزالة الأقنعة من على الوجوه، فقد استطاع أن يكشف عن «معادن» ناس تنفر عروق رقابهم وهم يتحدثون عن مصر وهم فى الواقع محترفو خطب، ونساء مصر يتميزن بالجدعنة، واحترام قدراتهن يجعلهن أعضاء فى أوركسترا العطاء الوطنى بلا نشاز، والمخمليات لا دور لهن.

9- آفة مصر (بطالتها) التى طالت أصحاب الشهادات الأكبر (الماجستير) والدكتوراة، وقد استخدم الإرهاب (الأيدى النجسة) فى تنفيذ مخططاته. ذلك أن كسر شوكة البطالة مدخل (صحى) للحاكم. وبدون ذلك يظل جرحاً ينزف صديداً فى المجتمع ولا يخفى على خلفيتك المخابراتية شراء الذمم والضمائر.

10- الدين وتر مهم ودائماً أردد أن إمام أى زاوية أهم من وزير الإعلام. لهذا لعب الإخوان على هذا الوتر، ولكن المصريين «فهموا الفولة» وذاقوا طعم الخديعة ومرارة استخدام الدين فى السياسة.

11- المصرى كسول إلا فيما ندر وتحفيزه بالثواب والعقاب هو (المفتاح) الحقيقى لقدراته، أضع أمامك يا سيدى ملامح المصرى وقسماته لتعرف أكثر مداخله التى تغيرت كثيراً. صورة اجتهدت فى رسمها لكنها ليست من وحى الخيال بل مطابقة للواقع المعاش حتى ولو كانت فى بعض ظلالها داكنة وصادمة. صورة ضرورية لك وأنت تصعد سلالم الاتحادية قبل أن تفاجأ بمظاهرة فئوية أو عصيان قطاع مدنى أو قطع طريقك لبيتك. أعرف «رهانك» على ناس مصر الذين تحلم بأن يصحو الواحد منهم خمسة الصبح ليصلى ويعمل.. ويغنى.