فهمى- أمريكا- الزواج

لم أدهش من اندفاع أغلب أجهزة الإعلام الى ترك كل ما هو مهم فى زيارة فهمى لأمريكا والتشبث فقط بموضوع الزواج. فهذه هى عادة أعلامنا يتشبث بالمثير ويترك إعمال العقل. وأكاد أطلب من الجميع أن يطبعوا على أوراق صفحاتهم وشاشات فضائياتهم عبارة شديدة القسوة وبالغة الدلالة لكونفيشيوس «المعرفة دون تفكير جهد ضائع والتفكير بلا معرفة خطر» صدقونى أن الغالبية تحتاج لتفهم هذه العبارة. وتجنباً لأى مماحكات أقرر أننى أعجبت بنشاط وزير الخارجية وبابتساماته الهادئة التى توحى بالثقة. وأعجبت أكثر بإصراره على محاولة تحقيق كسب ما لمصر عبر نقاشات قد لا يؤثر فى مستمع يتمسك بقرار مسبق ورغم إدراكه أن التأثير الدبلوماسى لاحقاً وليس سابقاً لاستعادة لقدراتها على التأثير ليس فقط بسبب طول الغياب وإنما بسبب ضعف المكون العام لقدرات مصر الآن. ورغم اعتقادى أن عبارة «الزواج» أتت فى غير موضعها وحتى فى غير سياقها فإننى أعتقد أن لفظاً «كالزواج» يكتسب معنى مختلفاً من مجتمع لآخر. ولعل الأمريكيين لم يلاحظوا مثلاً أن الإسلام يبيح الزواج بأربعة بما لو انعكس دبلوماسياً لأغضب الأمريكيين وأن هناك الطلاق المنطلق. ومع ذلك ترك إعلامنا كل شىء وتعلق بلفظ لا يعنى فى واقع الأمر شيئاً. فماذا تركه إعلامنا دون محاولة للفهم؟

■ طول مدة الزيارة. والإفراط فى المقابلات مع من يستحق ومن لا يستحق، والإلحاح فى تصريحات أخشى أن تتبدى متجاوزة حدود استجداء الصداقة إلى حدود استجداء الصدقة.. وبرغم تصريحات جافة لبعض مستقبلية تبدى هو دبلوماسياً أكثر مما يجب.. والأهم منذ ذلك توقيت الزيارة فهى تأتى فى ذروة الصدام الروسى الأمريكى حول أوكرانيا فتتبدى وكأنها رتبت كنوع من مساندة الضغط الأمريكى. وتتناسى أن هناك فارقاً فى التزامات واستجابات وما كانت عليه فى الزمان السوفيتى.

ونحن أيضاً أمام الاحتفال بذكرى بناء السد العالى وتكريم من بنوه، كما جاءت الزيارة فى زمن الاندفاع الإسرائيلى فى إجراءات تتطلب إدانة حاسمة فجاء التعليق عليها بكلمات ناعمة تستهدف عدم إغضاب السادة الأمريكيين، كما جاء الحديث عن إيران باهتا بما قد يثير بعضاً من دهشة لدى أصدقائنا فى الخليج وهم مصدر الدعم الأساسى لنا. وبما تتناسى التدخل الإيرانى فى شأننا الداخلى وتحديداً فى الانتخابات التى تدفقت أموال طائلة استعداداً لها استدعت استدعاء ممثل إيران لتأنيبه. ولست أقول إنه كان يتعين الانتظار حتى تنزاح هذه المشكلات، وإنما كان الأمر يستدعى الاستعداد بمواقف لا أقول حاسمة، فضعفنا يمنع ساستنا من الحسم.

وإذا كانت ردود أفعال حلفائنا فى الخليج تأتى عتاباً متمهلاً. فماذا عن روسيا؟ ففيما كان فهمى فى أمريكا تسربت معلومات بالغة الخطورة والأخطر منها أنها تسللت عبر مؤسسة iNss وهى مؤسسة صهيونية فى فلاديلفيا بأمريكا وتقول نشرتها «تواترت معلومات فى نهاية أبريل 2014 تقول إن مصر بصدد إنهاء صفقة لشراء 24 طائرة ميج 35 بما يقلب موازين التسليح فى الشرق الأوسط وخاصة مع إسرائيل، وبما يمثل انقلاباً فى موازين التحالفات فى منطقة الشرق الأوسط ويعطى روسيا وجوداً فى مصر غير مرغوب فيه من الجانب الأمريكى والأوروبى» ثم تمضى النشرة وكأنها تحذر «غير أن هذه الصفقة لم توقع بعد بسبب عقبات تكتيكية وعملياتية واقتصادية وفوق ذلك عقبات استراتيجية وسياسية» والآن من سرب هذا الخبر؟ ولماذا أثناء زيارة فهمى لأمريكا؟ وماذا سيكون موقف روسيا؟ وهل لها أصبع فى النشر؟ وإلى الإعلاميين أعود لأقول «التفكير بلا معرفة خطر».