أخبار عاجلة

معبر الحضارات.. مبادرة ثقافية

مقتنيات من كل العصور، أسلحة وفخاريات وتحف، ومخطوطات لكبار كتاب العلم على مختلف أجناسهم وألوانهم، خرائط وكتب نادرة، ومصاحف القرآن الكريم، المخطوط منها والمطبوع، تاريخ العالم كله يختزل في فكر شخص واحد، جند وقته وجهده وماله، في سبيل ان يجعل من دبي متحفا تاريخيا يؤرخ لكافة العصور والأزمنة، بل نقل حضارات من مختلف دول العالم، إلى متحف يقع في قلب منطقة الشندغة التاريخية، حيث التراث والمعمار الهندسي الخليجي، أطلق على متحفه اسم (متحف معبر الحضارات)، من قام بهذا الجهد الكبير، المتمثل بتوثيق تاريخ وحضارة الشعوب، هو أحمد عبيد المنصوري، له نظرة متعمقة في فهم التاريخ، يريد ايصالها الى الاجيال الحاضرة والمستقبلية، يقول ان التاريخ مجهول عند شباب اليوم، وخاصة تاريخ وحضارات العصور القديمة، لذلك أنشأت هذا المتحف بالتعاون مع بلدية دبي، التي رأت أن إرثا تاريخيا كهذا يجب ان يطلع عليه الجيل الحاضر، وقريبا سوف يكون هناك متحف خاص بالأسلحة المختلفة من بنادق ومسدسات وسيوف وخناجر وغيرها، كما قال إن متحفاً آخر سوف يتبعه ليكون خاصا بالمخطوطات والكتب والمصاحف النادرة، حديث ذو شجون، وعبره ندخل في هذا المتحف لنعبر الى حضارات العالم، والبداية.

بنادق قديمة

 

نقطة التقاء

يقول احمد عبيد المنصوري: متحف «معبر الحضارات» يتحدث عن قصة دبي، والإمارات بشكل عام التي عرفت، كما تدل الحفريات إلى حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، كمنطقة عبور، للاستيراد وإعادة التصدير، ونقطة التقاء بين الشرق والغرب، ومثّل خور دبي جسراً يفد إليه الناس، لتبادل البضائع والمقايضة، وفق قيم تاريخية متجذرة تعزز دوره الريادي، ودور سكان المنطقة الحضاري في التبادل الثقافي والمعرفي، لذلك أدت المنطقة دوراً محورياً في نقل المعرفة، ودبي ومناطق عديدة من مناطق الدولة، ذكرت في كتب تاريخية قديمة، منها كتاب جاسبرو بالبي النادر، والذي احتفظ به ضمن مجموعة الكتب النادرة، وهو عبارة عن رحلاته التي قام بها في أجزاء كبيرة في منطقة الخليج وبعد البلاد العربية، وبدأ رحلته في عام 1579 واستمرت الى عام 1588، وفي عام 1589 طبع هذا الكتاب، وهذا ما يدل على ان مناطق من الامارات مثل دبي وبني ياس ورأس الخيمة، شهدت زيارات لرحالة عرب وأجانب، كذلك من الوثائق التي توجد في المتحف، خرائط قديمة تعود الى مئات السنين، وتشير الى خريطة منطقة الخليج، باسم الخليج العربي، وهذا توثيق برسم كبار الرسامين الذين وضعوا الخرائط، إذاً متحف «معبر الحضارات» معبر لكل الحضارات، وأعتقد أننا بهذا العمل نكون قد أرسينا مبدأً جميلاً وهو تعريف جيل الشباب بالحضارات القديمة.

سيوف تعود إلى حقبات تاريخية مختلفة

 

العصا الصينية

وعن البداية التي أدخلته بوابة هذه الحضارات، يضيف قائلاً: شغف الاحتفاظ بالهدايا والتحف، بدأت معي منذ كان عمري خمس سنوات، لكن اذكر ان اول ما احتفظت به، هو العملات المحلية وعصا قديمة من صنع الصين، ثم بعد ذلك ومن خلال سفرياتي المتعددة الى دول العالم، بدأت افكر بشراء المخطوطات والكتب النادرة، والاسلحة بمختلف أنواعها، من سيوف وخناجر وأسلحة نارية، وهكذا استمر الحال، الى ان وجدت نفسي وسط أكوام من تاريخ الحضارات، وما تحمله من رمزيات في المنحوتات والمخطوطات والمقتنيات النادرة، ولكن في الاخير أستطيع القول، انني تربيت على حب الاقتناء والارتباط الوثيق بالتراث الذي ورثته عن والدي الذي ورثه هو الآخر عن والده، ونما ذلك الشغف حتى غدا ممارسة وجدت مكانها على أرض الواقع تمثلت في المشاركة في بناء القرية التراثية التي زارها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإدارة مشروع تأسيس القرية التراثية في منطقة الشندغة التاريخية في أول دورة لمهرجان دبي للتسوق، والحديث عن القيمة المادية للمقتنيات، يفقدها قيمتها الأكبر التاريخية والثقافية، التي تفوق المكانة والأهمية المادية، لاسيما حين يكون الهدف من وراء جمعها مشروعا وطنياً ثقافياً، يهدف الى ارساء مفهوم تاريخ الحضارات في اذهان وعقول الناس خاصة ابناء الجيل الحاضر.

البيت المتحف

انتقال كل هذه المقتنيات النادرة الى بيت الشيخ حشر ال مكتوم، لها حكاية يرويها احمد المنصوري، ويقول: المصادفة وحدها قادتني الى هذا الموقع المتميز، بشكله الهندسي الفريد، وذلك من خلال إلقائي في منزلي محاضرة حول الخليج العربي، الذي أمتلك عنه خرائط أصلية تؤكد تاريخه وأهميته الجغرافية على مر العصور، بحضور عدد من المسؤولين في بلدية دبي، حيث عرضتها على مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، المهندس رشاد بوخش، وعندما شاهد ما عندي من هذه المقتنيات، عرضوا علي فكرة نقلها وتحويلها متحفاً يكون مزارا لأبناء الدولة والزائرين من العرب والأجانب. في سطور

أحمد عبيد المنصوري، عضو المجلس الوطني الاتحادي، تولى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة (اياست) وهي هيئة حكومية تابعة لإمارة دبي وتدير برنامج علوم الفضاء، كما ترأس أيضا مركز دبي للاستشارات والبحوث والإعلام (بحوث) الذي أسسه في أكتوبر 2002، ويقوم المركز على إعداد الدراسات الاستراتيجية للجهات الحكومية والخاصة، أسس القرية التراثية في أول دورة لمهرجان التسوق بدبي في عام 1996، شارك في إنشاء مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري في عام 1998، أسس برنامج «وطني»، في عام 2005، وهو أول برنامج لتعزيز الهوية الوطنية، ترأس مجلس إدارة مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال في عام 2006، حصل على جائزة «الموظف الحكومي المتميز» لعام 2000 من برنامج دبي للأداء الحكومي، منح أيضا شهادات تقدير من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، لإنجازاته في إرساء برنامج التميز الحكومي في إمارة دبي.

ستارة باب الكعبة المشرفة من المقتنيات النادرة

يضم متحف معبر الحضارات في دبي ستارة الكعبة الشريفة التي بعثها إلى مكة المكرمة، أشهر سلاطين الدولة العثمانية، السلطان سليمان القانوني، ولا تزال تحافظ على رونقها، وهي من أقدم الستائر لباب الكعبة محتفظ بها حتى الآن، ويضم المتحف تماثيل وفخاريات ومنحوتات حجرية ورخامية تمثل حضارات مختلفة، إلى جانب الأسلحة والسيوف والخناجر والمخطوطات، وقد عرضت في المتحف بشكل يسهل على الزائر التعرف عليها وقراءة تفاصيل ومعلومات عن حضارتها.

بيت حشر بن مكتوم تحفة معمارية تراثية

يحتل بيت الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم، الواقع في منطقة الشندغة التاريخية، مكانة كبيرة في العمارة الخليجية المتميزة، حيث يقع المبنى شمال غرب منطقة الشندغة، ويطل على شارع الخليج، وتبلغ مساحته 1022 مترا مربعا، ومنذ 27 يناير من العام الجاري، أصبح موقعاً لمتحف معبر الحضارات، ويتميز البيت عن جميع مباني الشندغة والمباني التاريخية بشكل عام، بوجود مربعة دفاعية «برج استطلاعي»، أعلى مدخل البيت يدل على قيمة تاريخية دفاعية لمباني الشندغة السكنية، إضافة لوجود (بارجيل) ضخم تميز في الشكل الهندسي وآخر أصغر منه ويقع على الواجهة الرئيسية للبيت المطل على الخليج العربي.

كما يتميز بزخارفه الجمالية والهندسية سواء فحمية أو مفرغة كلها من العناصر المعمارية التي تؤكد الأصالة التراثية والتاريخية للمبنى، وقد تم الاستعانة بالصور والوثائق القديمة ولقاءات مع كبار السن، لوضع التصميم الكامل وإعادة ترميم المبنى، وبنفس المواد المستخدمة سابقاً، ويقع المبنى في المنطقة التاريخية.

ثلاث مناطق

دبي القديمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي، الشندغة وبر دبي وديرة، ويفصل الخور بين بر دبي وبر ديرة، والشندغة على الجهة الغربية للخور، وكان يفصل بينها وبر دبي حاجز رملي يدعى الغبيبة، وتطل منطقة الشندغة على مدخل خور دبي من جهة الجنوب، وتشرف على منفذ المدينة البحري وشريانها الحيوي، ويعود تاريخ إنشاء المنطقة إلى حوالي عام ١٨٦٢م، وظهرت الأهمية التاريخية لمنطقة الشندغة أواخر القرن التاسع عشر، عندما أدت زيادة السكان في المدينة إلى ظهور الحاجة لتخطيط جديد للمدينة، وإنشاء أحياء سكنية جديدة، فأصبحت منطقة الشندغة تضم سكن العائلة الحاكمة ومعظم قبيلة بني ياس، وانتقل إليها المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم، في أواخر القرن التاسع عشر، وشهدت المنطقة اهتماما رسميا وحكوميا كبيرا، خلال السنوات الماضية.

إضافة إلى مشاريع عدة لترميم مبانيها التاريخية، وإعادة إنشاء المباني التاريخية على عدة مراحل، بلغ عدد مباني المنطقة 226، موزعة على 62 استخداماً بين المساكن والمتاجر والأسواق وغيرها، ووضعت بلدية دبي خطة لإعادة الإنشاء والقيام بأعمال الترميم وتأهيل المباني، لتمارس فيها الحياة الطبيعية بشكل اعتيادي.

إعادة تأهيل

ففي عام 1996م، بدأت أعمال المرحلة الأولى، حيث شملت إحياء الممر الساحلي الواقع عليه مجموعة من المباني ذات القيمة التاريخية، وإعادة تأهيلها لوظائف معاصرة، منها بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وقريتا الغوص، والتراث، وبيت الشيخ عبيد بن ثاني، والعديد من المساجد التقليدية، وفي المرحلة الثانية ومنذ عام 2005 يتولى قسم المباني التاريخية تنفيذ مشاريع الترميم للمباني، ومن أهم هذه المشروعات السوق التقليدي، وإعادة إنشاء بيت الشيخ حشر آل مكتوم، إلى جانب تصميم مشروع الحديقة التراثية، والتي تحتوي على مجموعة من الفعاليات، والأنشطة التراثية، بالإضافة للمطعم التراثي.

والجدير بالأهمية أنه تم إنجاز كم كبير من هذه المشاريع، وبوشر باستخدامها لأغراض ثقافية واجتماعية واقتصادية، كالمتاحف والأسواق والمطاعم وغيرها، ومازال العمل جاريا في المباني الأخرى، ويعد بيت الشيخ سعيد آل مكتوم أبرز معالم المنطقة، ويرجع تاريخ إنشاء المبنى إلى عام 1896.

حيث كان يستخدم مقراً للحاكم، ويشكل حقبة مهمة في تاريخ الإمارة، مما أكسبه أهمية تاريخية من الناحية الوظيفية، ثم اكتسب أهمية أخرى من الناحية المعمارية والفنية، حيث يمتاز بثراء مكوناته العمرانية وعناصره التراثية، إضافة إلى استراتيجية الموقع، حيث يشرف المبنى على منطقة خور دبي التجارية، والتي تعد الشريان الرئيسي للحياة الاقتصادية والتجارية في إمارة دبي.