أخبار عاجلة

سيتركونكم تحاسَبون وحدكم

(1)

«صدقنى، بالطريقة دى إنتم أول ناس هتحتاجوا الاتفاقية دى، وهتندموا ع اللى بتعملوه ده»، قالها منفعلاً أحد الحقوقيين لأحد قيادات الإخوان أمام غرفة لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس الشعب المنحل، فما كان من القيادى الإخوانى إلا أن انصرف مبتسمًا ابتسامة صفراء متمتمًا بصوت لا يكاد يسمع: «ربنا يسهل».

كانت هذه المحادثة، بعد جلسة طويلة من سلسلة جلسات حاول خلالها عدد من نواب القوى المدنية والحقوقيين، إقناع قادة الإخوان الذين يملكون أغلبية أصوات مجلس الشعب بالتصديق على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية. وكان قد تم التوقيع عليها إبان حكم مبارك، بينما لم يتم التصديق عليها لتصبح جزءا من القانون الداخلى ـ وهى الحيلة التى كان يستخدمها نظام مبارك لتجميل وجهه، كنظام ملتزم بالتوقيع على الاتفاقيات الدولية التى تحمى حقوق الإنسان، بينما لا تصبح تلك الاتفاقيات جزءًا من القانون الداخلى إلا بالتصديق عليها من البرلمان ـ نفس هذا الحوار تكرر مع قيادات إخوانية بمجلس الشورى وكان ردهم بالمثل!

(2)

هل يعلم شباب الإخوان، أن قادتهم يوهمونهم بأن القضية التى تم رفعها أمام المحكمة الجنائية الدولية ستقتص لهم، بينما يعرف القادة جيدًا أن هذا لن يحدث، فمصر لم تصدق على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية! والطريق القانونى الوحيد الآن هو أن تطلب المصرية بنفسها إحالة الملف أو أن يتم إحالة الملف من خلال مجلس الأمن! وهو ما لن يحدث، فلن تغامر الدول المسيطرة الآن على مجلس الأمن بعلاقتها بنظام قائم ـ أيًا كان ـ من أجل تنظيم لن يعود إلى السلطة أبدًا، بعد ما ناله من ضربات على يد النظام القائم، وكره شعبى بسبب أدائه خلال فترة حكمه!

هل يعلم شباب الإخوان، أن القضية لن تقبل، بسبب رفض قادتهم التصديق على اتفاقية خشية أن تستخدم ضدهم فى المستقبل! لأنهم كانوا يظنون أنهم سيظلون فى الحكم أبد الدهر؟

(3)

القانون يشرع عادة لحماية الأطراف الأضعف، فالأطراف الأقوى قادرة على الحصول على ما تريد، من دون القانون. وتكمن المشكلة دائمًا فى أن الأطراف الأقوى تظن أنها ستظل كذلك على الدوام، فتصوغ القواعد لصالحها، ولا تفيق إلا بعد فوات الأوان! وهو ما كان يفكر فيه قادة الجماعة، عندما رفضوا التصديق على الاتفاقية لأنهم ظنوا أن الحكم قد دام لهم، فقرروا حماية حلفائهم فى المجلس العسكرى خلال الفترة الانتقالية الأولى، من تطبيق الاتفاقية عليهم، مقابل الوصول إلى الرئاسة! ووصلواـ بالفعل ـ إلى الرئاسة ومنها إلى المحكمة التى ترفض دعواهم الآن، لأنهم اختاروا إقرار القواعد لصالح الجماعة وحلفائها لا لصالح العدالة.

واليوم أجد كثيرين ممن يهللون لما هو حادث، لا يخفون سعادتهم لانهيار قواعد المحاكمات العادلة، وضرب منظومة العدالة بالكامل؛ بحيث صار من الطبيعى اتهام أى مواطن يختلف مع أى مسؤول باتهامات تلقى به لسنوات فى السجون. ويصبح طبيعيا أن يكون الحكم ضد من تظاهروا حتى أسقطوا مرسى، أكبر من الحكم ضد قناص العيون! ويظن هؤلاء ـ كما ظن سابقوهم ـ أن الأمر سيستقر لهم. ويبقى الخطير فى الأمر، إحساس الناس بأن منظومة العدالة قد تظلمهم، وتضيع حقوقهم، وهو ما قد يدفعهم لانتزاع حقوقهم بأنفسهم! وحينها أخشى أنكم لن تجدوا وقتًا للندم! وستتركون لنا الحزن بسبب ما أوصلتم بلادنا وشعبنا له! وسوف ننفق أعوامًا نخبر الناس عنكم وعن مصيركم، لنبنى مستقبلا أكثر عدالة ـ لنا ولأولادنا وأولادكم ـ بينما لن يبقى منكم سوى ذكرى لعبرة لكل من يصوغ القواعد على هواه!

تعتقدون أن من يحميكم الآن، سيظل يحميكم؟ لا تطمئنوا كثيرًا، وتذكروا أين كان قادة الحزب الوطنى بعد 28 يناير! هربوا خارج البلاد وتركوا أمثالكم يواجهون مصيرهم وحدهم. واجهوا حقيقتكم، إنهم لا يهتمون لأمركم، وسيتركونكم تحاسبون وحدكم على أخطائهم.