لا يا سيادة المشير

لست مضطرا للالتفات لكل هؤلاء المنبطحين تماما أمام المشير السيسى والذين أحالوا حواره التليفزيونى الأول إلى وصلة طرب كلثومية الطابع والمذاق، فباتوا يعيدون ترديد بعض مقاطع ومفردات قالها المشير على الشاشة ويرقصون على إيقاعاتها.. ولست مضطرا أيضا لمسايرة هؤلاء الذين لم يعودوا يجدون طريقا أقرب للأضواء والاستعراض ولفت انتباه الناس من الهجوم على المشير والسخرية أو التقليل من شأن كل ما يقوله ويطرحه من أفكار ورؤى وأحلام..

وإنما أفضل البقاء وسط الناس الذين يمشون على الأرض ويحبون أن يبقى المشير مثلهم أيضا إنسانا على الأرض يمشى.. يصيب ويخطئ، يستحق تصفيق التقدير والامتنان والاحترام أحيانا، ويمكن مناقشته والاختلاف معه فى كلام أو طرح أو فكر أحيانا أخرى.. وعلى سبيل المثال أختلف مع المشير حين قال لإبراهيم عيسى ولميس الحديدى إن الرياضة بالنسبة له من أركان أو قوائم الأمن القومى لمصر.. فلست أوافقه على ذلك، ولا أقبل التعامل مع الرياضة بتلك النظرة التى فيها الكثير جدا من المبالغة أو المجاملة.. فلا يمكن للرياضة أن تكون مثل السلاح وقوته والاقتصاد وضرورته والنيل وسريانه والدين والحاجة إليه والتماسك الاجتماعى والمحافظة على نسيجه والعلاقات مع أصدقاء وأعداء الجوار والحدود ثم مع بلدان العالم كله.. فإذا قررت حشر الرياضة وسط ذلك كله فهذا يعنى إما الانتقاص من قدر ومكانة كل تلك المقومات حتى تتساوى مع الرياضة أو تضخيم دور الرياضة، فيسمح ذلك الآن ومستقبلا بتضخيم أمور أخرى حسب المزاج والهوى والمصالح غير المعلنة..

ولم يحدث أبدا أن قررت أى دولة فى العالم.. بأى معيار وتحت أى ظروف ووفق أى حسابات سياسية واستراتيجية وأمنية.. التعامل مع الرياضة باعتبارها قضية أو مسألة أمن قومى.. وقد يكون المشير السيسى قال ذلك تليفزيونيا من باب المجاملة والملاحظات العابرة والرغبة فى تكريم وإبداء الاحترام والاعتزاز بكل جوانب المجتمع واهتماماته.. وهو أمر طبيعى وممكن تفهمه وقبوله أيضا.. لكن المشكلة تبقى فى هؤلاء الذين سينال إعجابهم ويوافق هواهم هذا الذى قاله المشير عن الرياضة، وسيسعدهم جدا أن تصبح الرياضة أمنا قوميا لمصر..

فقد سبق أن تخيل بعض هؤلاء ولايزالون يرون الرياضة بنفس قيمة ومكانة التعليم والصحة والغذاء.. ولا يدرى هؤلاء أنهم بهذا يحيلون الأمر إلى عبث، لأنهم يخرجون من دوائر الحياة الواقعية وقوانينها وحساباتها.. فأنا مثلهم أحب الرياضة وقد أكون أكثر منهم احتراما لها واعتزازا بها.. ولكنها بالنسبة لى تبقى بنفس قيمة ومكانة وأدوار وحدود الرياضة وما تستطيع تحقيقه.. وتسبقها أولويات وأساسيات كثيرة جدا فى الحياة.. بل إن الرياضة فى أزمان الفشل السياسى والإحباط الاجتماعى وطغيان الفقر والجهل تبقى عاجزة عن أى شىء إلا إدخال البهجة فى نفوس الكثيرين.. ولا تكتسب أدوارها الحقيقية إلا فى أوقات الاستقرار السياسى والاقتصادى، فتصبح إحدى أدوات التنمية والإعلام والدبلوماسية ولفت الانتباه إلى واجب أو قضية.. ونحن غالبا فى نفشل فى استغلال الرياضة فى كل ذلك لأننا لانزال نراها فقط موضوعا للإنشاء وليست سلاحا مهما مثل أسلحة أخرى كثيرة فى مصر.