بطن أفروديت (تأملات أمريكية-1)

تبدو لي أميركا مثل بطن أفروديت، طرية وناعمة في العين، صلبة وباردة في اليد فإلهة الجمال والشبق ليست في الواقع إلا حجرا من رخام صلب، لكنها مع ذلك تظل موحية بالجمال، وآسرة للخيال.

في الأسبوع الماضي عانيت أكثر من توترات العمل والسياسة، ونصحني الطبيب بالابتعاد عن التوتر والقلق، وأضاف ضاحكا: أنا عارف إنك بتشتغل في مهنة البحث عن المتاعب، لكن خد أجازة وارتاح شوية.

فتوقفت عن متابعة برامج التوك شو، وتجنبت الحديث عن قضايا الانتخابات، وعودة الفلول، وتلويحة مبارك، ودموع .. إلخ، وقلت أسافر بدماغي بره ، وأعيش خواجة لمدة أسبوع، فأعدت مشاهدة فيلم "مالينا" للعظيم تورناتوري والرائعة مونيكا بيلوتشي، وانهمكت في تصفح "أمازون" ومواقع الكتب الأجنبية الجديدة، ولفت نظري كتاب الصحفي الأمريكي سكوت ستوسيل (رئيس تحرير مجلة اتلانتيك)، وجذبني عنوانه القريب من حالتي "عمر من القلق" مع عنوان فرعي شارح يتضمن إشارات للخوف، والأمل، والفزع، والبحث عن راحة البال"، فطلبت شراءه، وعندما قرأته صدمني تماما، فالكتاب الذي تجاوز 400 صفحة، يستعرض بالتفصيل مشكلة القلق التي تجتاح الحياة الأمريكية، في صورة مخاوف مرضية كثيرة يعاني منها أكثر من 40 مليون شخص حسب إحصائية للمعهد الوطني للصحة العقلية، فيما أورد إحصائية لمنظمة غير رسمية تؤكد أن واحد من بين أربعة أمريكيين عانى في مرحلة من حياته نوعا ما من أنواع القلق، مثل الخوف من الصراصير، والطيران، والتحدث أمام الجمهور، أو فوبيا الأماكن المرتفعة، والضيقة، أو من الوحدة، والظلام، أو الخوف ، أو.. غير ذلك.

طبعا مثل هذه المخاوف تبدو في نظرنا صغيرة وعادية، لكن ستوسيل استطاع أن يشعرني بمدى خطورتها على حياة المجتمع والفرد معا، حيث جمع في كتابه بين الأسلوب العلمي والإحصائي، وبين الشكل الروائي، فقدم دراسة تضمنت استقصاء تاريخيا، وأساليب علاج، وشهادات مرضى ومعالجين نفسيين، وتقصى تأثير التربية، وعوامل الوراثة، وضغوط الإعلام والظروف المعيشية.

وسرد ستوسيل ذلك كله من خلال تجربته الشخصية المريرة مع فوبيا "التقيؤ" المصحوبة بنوبات ألم شديدة في المعدة، والتي فشل الأطباء في العثور على سبب عضوي لها، وأرجعوها إلى أسباب نفسية وعصبية، ومع ذلك لم يجدوا مفرا من كتابة عشرات الروشتات بأدوية من نوع زاناكس، وبروزاك، واوبتكس، وتحدث عن تورط الملايين في إدمان الخمور والمخدرات للهروب من نوبات الخوف المرضي (الفوبيا)، وأعراض الاضطراب والقلق.

وفي تجربته الشخصية كشف ستوسيل عن جذور هذه الفوبيا في عائلته، فقال أن جده لأمه كان يعاني من نفس أعراض "فوبيا التقيوء" مع اضطراب نفسي وحالات وسواس قهري، وكشفت السجلات الطبية لجده الأكبر الأكاديمي البارز في جامعة هارفارد (تشيستر هانفورد) أنه كان يعاني من "قلق حاد" دخل بسببه المستشفى وتلقى جلسات للعلاج بالكهرباء.

وفي فصل بالغ التأثير حكى بالتفصيل عن إصابته بنوبات فزع في أوقات غير مناسبة، وكانت محرجة جدا، مثلما حدث يوم زفافه، وأثناء مناقشة كتابه الأول "سيرة الرقيب شرايفر" في مجمع كيندي نهاية التسعينات، حيث غرق في بحر من العرق، وتلوى وحيدا على بلاط الحمام من جراء آلام رهيبة في المعدة، وعندما خرج في حالة رثة وهو يربط منشفة حول بنطلونه المتسخ، كان جرس العشاء يدق، وشاهده كيندي الابن في هذا الحال فاستدعى له طبيبا حقنه بمسكنات.

يقول ستوسيل: شعرت بكراهية شديدة لحالة الشفقة التي رأيتها في العيون، كما شعرت أن المسكنات أسوا تأثيرا من المرض نفسه، ووصف نفسه أثناء النوبات بأنه يصبح مجرد جثة تتحكم فيها شياطين داخلية قاسية.

كانت اعترافات ستوسيل صريحة، وجريئة، وتفصيلية، وكان أسلوب عرضها شيقا، لكن اهتمامي تبدل بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، حيث لم يتبق منه، إلا معلومة عادية عن معاناة إنسان من المرض، برغم التقدم والحداثة، وقوة البلد التي يعيش فيها، والحقيقة أن هذه الملاحظة هي التي دفعتني للكتابة عن ستوسيل وأفروديت وأميركا، فقد عرفت هذا الصحفي لأول مرة بالمصادفة، من خلال الحوار الذي أجراه مع الفيلسوف الأميركي الشهير ريتشارد رورتي، كنت حينذاك منشغلا بالكتابة عن تروتسكي، ثم قادني البحث إلى رورتي، وربطت بينه وبين الدكتور فؤاد زكريا.

ولهذا قصة أتناولها في المقال المقبل.