أخبار عاجلة

كلاسيكى فى الشكل رومانتيكى فى المضمون ونموذج للسينما الخالصة

«الخروج للنهار» إخراج هالة لطفى، الذى يعرض الآن فى القاهرة والإسكندرية، فيلم كلاسيكى من حيث الشكل، أى فى محافظته على الوحدات الدرامية الثلاث. كما وضعها أرسطو فى القرن الخامس قبل الميلاد، وهى الزمان والمكان والموضوع، فالزمان دورة شمس واحدة، من صباح يوم إلى صباح اليوم التالى، والمكان بيت لا نغادره إلا إلى الشارع والمستشفى، والموضوع هو الوجود الإنسانى بين الحياة والموت.

«الخروج إلى النهار» العنوان الأصلى للكتاب المصرى القديم «الفرعونى» الذى عرف باسم «كتاب الموتى»، ويعنى أن الموت خروج إلى حياة أخرى، وأنها النهار، كأن الحياة عبور من الظلام، وهكذا تفلسف المصريون القدماء تجاه الموت، وهكذا عبرت هالة لطفى من خلال البيت الذى يحتضر فيه الأب طوال الفيلم، ولا فرق بينه وبين المقبرة، ومن أول لقطة فى الصباح المبكر يتم فتح النوافذ والشرفات ليدخل النهار ممثلاً فى أشعة الشمس، منذراً بالموت الذى يأتى فى النهاية من دون أن نرى موت الأب، وإنما نرى الأم تجدد مرتبة فراشه «تنجيد القطن»، والابنة تسأل أين سيدفن، وأين تقع مدافن الأسرة؟

والابنة شخصية رومانتيكية تبحث عن معنى الحياة والموت والحب والكره والقوة والعجز، وتلجأ إلى الدين ممثلاً فى ذهابها ليلاً إلى مسجد الحسين، ولكنها تتوه بين أسوار القاهرة الإسلامية القديمة، وعلى شريط الصوت نستمع إلى أصداء أناشيد صوفية تأتى من بعيد تمتدح الرسول وتنادى أرحم الراحمين.

إنها ترفض الراديو والتليفزيون، وتفضل أن تختار الشريط الذى تسمعه بإرادتها، وكما يحب والداها أغانى أم كلثوم، تحب هى أغانى عبدالوهاب، وعندما تشترك مع والدتها فى علاج «قرحة الفراش» على جسد والدها، لا نعرف الفرق بين هذه المعالجة و«تغسيل» الجسد بعد الموت، وعندما تغضب من الملاءات البيضاء التى تأتى بها أمها من المستشفى قائلة كم ماتوا عليها، لا نعرف الفرق بين هذه الملاءات والأكفان البيضاء، وعندما تذهب إلى محل لبيع الأجهزة الطبية تسأل عن ثمن المرتبة الصحية، نرى الأطراف الصناعية، ولا نعرف الفرق بينها وبين الأطراف الطبيعية.

يدرك الأب العاجز فى صمته أنه أصبح عبئاً على زوجته وابنتهما، وهما تهتمان برعايته بحب وتتفانيان فى خدمته، ولكنهما فى نفس الوقت تتألمان من الشرط الذى وضعا فيه، بل تغضبان أحياناً، ولكنه الغضب حباً. أما عن كون الفيلم من السينما الخالصة، أو السينما عندما تصل إلى مرتبة الموسيقى، أى التجريد المطلق، ولكن بلغة السينما التجسيدية، فلها حديث آخر عن الأسلوب.

samirmfarid@hotmail.com