أخبار عاجلة

باحثة التونسية : “الأسود” مازال يُسمى “عبدًا” في أول بلد ألغى الرق

باحثة التونسية : “الأسود” مازال يُسمى “عبدًا” في أول بلد ألغى الرق باحثة التونسية : “الأسود” مازال يُسمى “عبدًا” في أول بلد ألغى الرق

مها بن عبد العظيم

بمناسبة تنظيم مسيرات مناهضة للعنصرية ضد السود في عدة مدن تونسية، حاورنا منسقة المسيرات الباحثة التونسية مها عبد الحميد، وهي عضو سابق في “آدم للمساواة والتنمية” أول جمعية للدفاع عن السود في تونس أسست عام 2012. وتعد مها عبد الحميد أطروحة دكتوراة في الجغرافيا الاجتماعية في جامعة باريس العاشرة حول التهميش الاقتصادي والاجتماعي في الأحياء اللاقانونية في واحة زريق بمدينة قابس جنوب تونس.

مسيرة “المساواة ومناهضة العنصرية ضد السود في تونس”، انطلقت يوم 18 مارس في جربة وتلتها أخرى يوم 19 مارس في قابس وتتواصل يوم 20 مارس الموافق لعيد الاستقلال في صفاقس ويوم 21 مارس الموافق لليوم العالمي لمناهضة العنصرية في العاصمة تونس.

ماهي رمزية هذه المسيرات؟ ولماذا هذا التوقيت من المسار الثوري، فهل كانت هناك تحركات أخرى قبل أو بعد الثورة؟

للأسف فإن بعض الناس عندما يتحدثون عن المسار الثوري ينظرون من وإلى زاوية واحدة. لكننا مؤمنون بأن الثورة يجب أن تغير كل شيء وتضع حدا لما من شأنه أن يمس من كرامة الإنسان ويحط من وجوده في وطنه، فلأجل عديد الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والأخلاقية قامت الثورة التونسية. والمسار الثوري الذي يراد به إصلاح المنظومات والعقليات ومناهضة كل أشكال التمييز يجب أن يشمل أيضا مناهضة التمييز العنصري ضد المواطنين السود الذين طالما تعرضوا للتمييز والتفرقة على مرأى ومسمع المجتمع المدني والسلطات التي تعاقبت على البلاد. فما يحدث من ممارسات عنصرية لفظية كانت أو من نوع آخر، لم يمثل فضيحة في بلادنا حسب رأي الأغلبية. قد تكون التجاوزات العنصرية اليومية غير ظاهرة لكن ما تعرضت إليه نجيبة الحمروني –رئيسة نقابة الصحافيين التونسيين- من اعتداءات بسبب لونها لم يحرك ساكن أكبر مناضل من أجل حقوق الإنسان في تونس. إذاً هناك صمت خطير على هذه الظاهرة التي تعتبر بسيطة ومسموح بها في نظر الكثيرين. قبل الثورة لم تكن هناك تحركات باستثناء الحركة التي قادها سليم مرزوق* في الستينيات والتي سرعان ما أجهضت وزج به في السجن ثم في مستشفى الرازي –للأمراض النفسية- حيث قضى أكثر من 30 سنة قبل أن يطلق سراحه قبل شهر من وفاته سنة 2001. وفي سنوات حكم بن علي قدم البعض شكاوى فردية لكن كانت تحل بسلاسة دون “شوشرة”.

وبعد الثورة أخذت القضية نهجا جديا من أجل كرامة المواطن الأسود في بلاده متجذرا في الثورة وأهدافها. فتكونت الجمعيات لمناهضة التميز اللوني بعد الثورة وتتقدم هذه الجمعيات بصعوبة أمام نكران العديد لوجود التمييز العنصري في تونس. العنصرية في تونس شبيهة بالشبح الذي لا يراه كل الناس لكنه موجود ومخيف ومقلق ويهدد راحة المواطن الأسود في وطنه.

من أين جاءت ثقافة التمييز هذه؟

يوجد في الحقيقة موروث ثقافي وتاريخي، وإن استطاع الزمن التخفيف من حدته جزئيا إلا أنه مازال متواجدا وبكثرة خصوصا في المناطق التي عرفت العبودية (الواحات والمجتمعات الرعوية في الجنوب التونسي وفي العاصمة في العائلات التي كانت تملك العبيد وفي بعض جهات الساحل…). وبقي هذا الموروث يربط الأسود بصورة العبد فهو بالضرورة ليس مثل الأبيض الحر حتى أن في الجنوب وإلى يومنا هذا مازلنا نسمي الأبيض “الحر” ونسمي السود “العبيد” أو “الوصفان”. وما يميز هذا التحرك مقارنة بأشكال تمييز أخرى على غرار الجهوي هو الاعتراف، فكل الناس تعترف بالتمييز الجهوي. العديد من النخبة المثقفة هي من داخل البلاد فيعيشون ذلك ويحسونه ويحسنون تحليله لكن التمييز ضد السود فلا أحد يعترف به أو قلة هم الذين لهم نظرة ثاقبة للمجتمع يفهمون أن السود في تونس أكثر الناس تهميشا وإقصاء منذ الاستقلال حتى اليوم. وهناك من يعرف ويفهم لكن لا يعترف علنا بهذا التمييز لماذا. فقط لأنه “عنصري” ولأنه لايريد أن تتغير الأشياء وأن تتبدل العقليات. التمييز ضد المرأة كذلك من مشاكل هذا المجتمع ولكن التمييز ضد المرأة السوداء أعمق أولا لأنها إمرأة وثانيا لأن لونها مميز سلبيا… وأعتقد أن هذه العقليات هي موروث الاستعمار ثم الدكتاتوريات… فلم تكن هناك مشاريع جدية توعوية تحد من كل هذه المفارقات بل كرست عقلية التمييز.

تفتخر تونس بأنها أول بلد عربي ألغى العبودية فهل الحقيقة رغم مرور العقود أنها لم تلغ من الأذهان؟

السود في تونس لا ينحدرون فقط من العبيد فهم أيضا مهاجرون من جنوب الصحراء ومن الصعيد المصري ومن ليبيا… و كذلك لا ننسى أن تونس توجد في أفريقيا فالتلاحق أقدم مما نتصور لكن التاريخ كتب على ذوق من وثقه وكلنا نعرف الحلقات المفقودة في تاريخ العالم. أنا أتساءل ما معنى أن نفتخر بأن تونس أول بلاد ألغت الرق والأسود مازال يقال له “عبد” أو “وصف” بعد 168 سنة من هذا القانون؟

يقال إن السود وصلوا إلى الجنوب هاربين من تجارة العبيد، فهل كانت تونس أرض استقبال؟

هناك من السود من دخل تونس عن طيب خاطر واختار الاستقرار بها وهناك من يرقى تواجده بها إلى عصور لا نعلم امتدادها. لكن من الغريب أن التونسيين ما زالوا يتجاهلون أو يتظاهرون بالتجاهل أن بلادهم كانت لعدة قرون مركزا للتجارة المخزية للبشر إذ وقع الاتجار بمئات الآلاف من النساء والرجال والأطفال وعاملوهم كبضاعة مثل كل البضائع. مع الأسف هي حلقات تم إزالتها تماما من الوعي الجماعي، فهي غائبة عن جميع مستويات التعليم وبرامج التعليم الوطنية.

لماذا وما المصلحة في تواصل سحب وإخفاء هذه الحقبة في تاريخ بلدنا؟

يقول البعض إن مثل هذا التحرك نسج على منوال مجتمعات أخرى غربية على غرار أمريكا مثلا ولا تقاس على طبيعة تونس فما هو ردك؟ وما علاقة تحرككم بحركات تاريخية أخرى؟

العنصرية هي ظاهرة كونية يقال إن حدتها تختلف من مكان إلى آخر لكن في كل الحالات يبقى لها نفس الدلالات: الإقصاء والتمييز. عن أي نسج يتحدثون؟ إن كان هناك نسج في التحرك فهذا يثبت أن هناك عنصرية. فلا يمكن أن ننسج على تحرك دون أن يكون هناك سبب. بالنسبة لي هذا الموقف هو اعتراف ضمني بوجود التمييز العنصري في تونس. التحركات التاريخية وأهم تياراتها في أمريكا وجنوب أفريقيا هي تحركات سجلها التاريخ وحسبت لمن قام بها وتبقى درسا رائعا في تاريخ الإنسانية. كلما قرأناه زاد تطلعنا لمزيد من الحرية والكرامة.

تنددون بالنظرة الفولكلورية لكن عديد الحضارات تعتبر الفولكلور جانبا إيجابيا من ثقافتها كأي فولكلور آخر، العديد يرون مثلا في “السطمبالي*” وجها من الاختلاف ومثالا على التلاقح الموسيقي .

كان من المفروض أن تكون “السطمبالي” و”البنقا” موسيقات إثراء للموروث الثقافي التونسي وهي كذلك في الحقيقة، لكنها مازلت تعتبر في هامش هذه الثقافة وهي مهمشة مثل أهلها. بل نشبهها في العامية التونسية بكل ماهو غير مفهوم وغير منظم وغير جميل فنقول استغرابا “ما هذا السطمالي؟ !” أو “ما هذه البنقا؟ !” .

وماذا عن الأدب ونذكر الرواية التاريخية لبشرير خريف “برق الليل” حول ثورة الزنوج الصادرة في الستينيات؟

مع الأسف يبقى الأدب حكرا على نخبة معينة وحتى هذه النخبة لا تختلف كثيرا في تناولها لصورة الأسود المعهودة، ففي “برق الليل” قدمه لنا البشير خريف في أحسن صورة: جميل الوجه وضحوك وذكي لكنه ذلك العبد الوصيف. لكن بشير خريف عرج قليلا عن الحلقة المفقودة في التاريخ حول خطف العبيد وبيعهم في أرض تونس.

هل ساهم التونسيون ببعض الأعمال الثقافية الأخرى في دحض التمييز؟

ليس بالقدر الكافي وبدون عمق وجدية تتساوى وعمق المسألة وتعقدها. ففي السينما تبقى كذلك صورة الأسود مهمشة وسلبية…
> كيف كان تعامل السلطات والمجتمع المدني مع تحرككم؟

برود، حذر أو لا مبالاة لكن نأمل أن تتغير العقلية بالعمل وبتقديم البراهين الدامغة وكذلك بتحرر السود أنفسهم من الصمت.
> حادثة استهدفت بها بالتمييز ورسخت في ذهنك، أو حادثة كنت شاهدة عليها.

حادثة فقط؟ سأحدثك عن حادثة تعرض لها هذه السنة شاب تونسي أسود في سن الـ 17 شارك مع أصدقائه في إحدى البلدان العربية في عرض مشروع شبابي لا أعرف ماذا بالضبط محتواه. وعند عودتهم أرادت إحدى قنوات التلفزيون الخاصة استقبال ممثل عن هذه المجموعة الشابة فاختاره أصدقاؤه لفصاحته وذكائه وخفة دمه ليمثلهم. وعند التقائه بمعد البرنامج قال له وبكل وقاحة” هلا اختاروا أحدا غيرك وليس في لونك؟”.

*سليم مرزوق مواطن أسود من الكوادر وصاحب شهادات عليا طلب من الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة إدماجه في السلك الدبلوماسي فرفض ذلك واستهزأ به. وأمام ذلك الرد العنصري لجأ سليم مرزوق إلى التحرك وتجميع السود للدفاع عن مطالبهم في إطار حزب سياسي.
> *السطمبالي موسيقى تعتمد القوالب ذات الصبغة العقائديّة للأقليّة السوداء

أعدت الحوار مها بن عبد العظيم

أونا