أخبار عاجلة

البقالة.. قلب «الفريج» وواجهة كل بناية

البقالة.. قلب «الفريج» وواجهة كل بناية البقالة.. قلب «الفريج» وواجهة كل بناية

بينما كنت أقف أمام بقالة في الحي السكني الذي أقطن في الشارقة، توقفت سيارة، وأطل شاب من شباكها يريد علبة سجائر، فاعتذر البائع مدعياً أن السجائر ممنوعة ولم يعد يتعامل معها، وبعد أقل من دقيقة جاءت سيارة أخرى وطلب سائقها السلعة ذاتها، فانحنى البائع أسفل الطاولة وجلب له علبة سجائر. سألته: لماذا أعطيت هذا واعتذرت لمن سبق؟، أجاب: هذا أعرفه فهو زبون ويشتري باستمرار، أما الشخص السابق فوجهه غير مألوف بالنسبة لي، ربما يكون من البلدية، فيسبب لنا مشكلات، لأن بيع السجائر محظور في البقالات.

ذلك موقف عابر، لكنه يكشف شيئاً من الوجه السلبي للبقالات التي لا تخلو من الإيجابية بالتأكيد. في السطور التالية نسلط الضوء على واقع البقالات الاجتماعي، والدور الذي تؤديه، والنظرة التي لا تزال تحتفظ بها، وكل ما لها وما عليها، لنضع القارئ أمام ميزان الواقع، فينظر أي كفة يرجح: الإيجابية أم السلبية؟

محمد البسطي مقيم في الشارقة أكد أن مشكلات البقالات المنتشرة بكثافة في مختلف الأحياء السكنية، لا تنتهي، والتعامل معها شر لا بد منه، فلا أحد يمكن له أن يستغني عن البقالة المتوفرة أسفل بنايته، في قضاء بعض حاجاته اليومية، والحق يقال إن الخدمات التي تقدمها البقالة من حيث توفرها في كل مكان، والتوصيل السريع لسلع بسيطة، لا تتوفر في أي دولة أخرى، لكن المسألة لا تخلو من القلق، إذ ان بعض العاملين في البقالات يفكرون في التقليل من مصروف الكهرباء فيغلقون الثلاجات مساءً، وهو ما يشكل خطورة على أصناف من الخضراوات وبعض المثلجات، ناهيك عن طريقة الحفظ والتخزين المقلقة أيضاً.

هروب الخادمات

غير ذلك، ذكر البسطي أن البقالة تؤدي دوراً خطيراً في مشكلة هروب الخادمات، اللواتي يجدن في البقالة البوابة الأولى نحو فضاء المخالفات والهروب من كفلائهن، وتلك حقيقة مؤكدة وقد حدثت قصص هروب عدة لخادمات من بيوت أصدقاء له، وكان للعاملين في البقالات دور كبير في ذلك.

أما مهند حيدر فؤاد فقال إنه لا يشتري من البقالات سوى الحاجات غير الأساسية، التي تنقص قبل موعد الشراء المقبل من الجمعيات والمراكز التجارية، مشيراً إلى أن البقالة غير موثوقة من حيث تخزين وتأمين المواد الغذائية فيها، وبالتالي فإن الخيار الأسلم أمام الجميع، هو الجمعيات وربما السوبر ماركت الكبير، الذي أصبح متوفراً في كثير من الأحياء السكنية هذه الأيام.

منتهية الصلاحية

وفي مرات قليلة وجد مهند بعض السلع التي اشتراها من البقالة منتهية الصلاحية، ناهيك عن فروق الأسعار الواضحة في الكثير من السلع، لذلك فإن ثقته بما تبيع البقالات غير متوفرة، لافتاً إلى أنه يتجنب الوقوع في حاجة البقالة، رغم ما تؤديه من دور خدماتي مميز على صعيد توفير المطلوب بأقل وقت وجهد ممكنين.

خلاف ذلك ما أبداه محمد فتحي عبدالستار تجاه البقالة، الذي أوضح أنه يمضي بعض وقته وحيداً أثناء سفر الزوجة والأبناء، فهو يلجأ إلى البقالة بنسبة 90 % في ما يحتاجه من سلع ومواد غذائية، وحينما تأتي أسرته، لا مجال أمامه سوى التسوق بكميات كبيرة من الجمعيات، أما في واقع العزوبية فهو لا يحتاج إلى كميات كبيرة، ويبحث في الوقت ذاته عن الراحة وعدم التفكير في الوقوع في زحمة التسوق وإضاعة الوقت في إعداد الوجبات، مشيراً إلى أن متطلباته يحصل عليها يوماً بيوم من البقالة. بمجرد اتصال يعرف صاحب البقالة صوته ويحدد موقعه، وفي غضون دقائق يكون طلبه بين يديه.

مقصد العزاب

وأضاف عبدالستار إن البقالات تجد قبولاً لدى شريحة العزاب بشكل كبير، لأنها توفر السهولة في الحصول على السلع التي يريدها الأعزب في أقصر وقت وأيسر آلية، وبكميات قليلة أيضاً، أما العائلات فلا تعتمد على البقالات إلا في حاجات ناقصة وطارئة، مثل الخبز وبعض المشروبات الغازية، وتكون مشترياتهم أسبوعية من الجمعيات وكارفور وبقية المراكز التجارية. ذلك ما أكده الشاب عبدالله حسين، الذي يرى في البقالة متنفساً له وللشباب الصغار في «الفريج»، الذين يشترون منها بعض السلع الخفيفة بشكل يومي.

عصر الاندثار

المشهد بدا مغايراً من وجهة نظر عبدالله الحمادي، الذي اعتبر أن عصر البقالات يبدو في انحسار متواصل، وثقة الجمهور بالبقالة التقليدية لم تعد كما كانت في الماضي حينما كانت البقالة قلب الحي السكني بأكمله، واليوم الأنظار تتجه إلى السوبر ماركت أكثر، ففي الأحياء السكنية الجديدة، تجد البقالة لا تنافس ولا وجود لها أصلاً في ظل منافسة السوبر ماركت والجمعيات التي باتت تستحوذ على النصيب الأكبر من المشتريات لدى المواطنين والمقيمين على حد سواء.

وتوقع الحمادي أن تقود السنوات المقبلة إلى تحجيم حضور البقالات في المجتمع الإماراتي، وتقليل أعدادها بالنظر إلى طبيعة الأحياء السكنية الجديدة والخدمات الراقية التي توفرها للساكنين، وهو ما يؤكد فكرة الاستغناء عن البقالة شيئاً فشيئاً، بعد أن ظلت البقالة لسنوات طويلة الثابت الوحيد في الأحياء السكنية في كافة إمارات الدولة، فاليوم لا تبيع البقالات كثيراً ولا يعتمد عليها في كثير من المناطق، والدور الذي تقدمه تكميلي، لذلك فإن حضورها لن يصمد طويلاً. إرث اجتماعي

 

أجمع عدد من الشباب الصغار، على أهمية البقالة في الأحياء السكنية وداخل «الفريج» الذي يقطنون فيه، نظراً لما توفره من أجواء نفسية واجتماعية جميلة تمتد لسنوات طويلة، وقال الشاب عبدالله حسين إنه يلتقي بشكل شبه يومي مع أصدقائه أمام البقالة في ساعات ما بعد العصر وحتى وقت العشاء، يتسامرون معاً ويتناولون المشروبات الغازية وبعض السندويشات الخفيفة والمكسرات، وتظل الأجواء في محيط البقالة في غاية المتعة والحميمية بين الأصدقاء والجيران، مؤكداً أن البقالة إرث اجتماعي متواصل منذ عشرات السنوات، ولا يزال لها حضور كبير في «الفرجان»، وفي الأحياء السكنية الأخرى، وهي تؤدي دوراً مجتمعياً مهماً ولا يمكن الاستغناء عنها مهما بلغت الحياة من التطور والرقي.

البقالات تعاني منافسة الجمعيات والمراكز التجارية

رويداً رويداً، تسحب الجمعيات والمراكز التجارية الصغيرة والكبيرة ومحلات السوبر ماركت، التي تضاعفت أعدادها في السنوات الأخيرة في كثير من المناطق السكنية، البساط من تحت البقالات التي لم يعد دورها أساسياً في توفير المواد الغذائية والسلع المختلفة للمحيط السكني، وهو الذي اعتاد لسنوات طويلة ماضية أن يتعامل مع البقالة وحسب، بسهولة وقناعة وانسجام.

وفي هذا الصدد؛ أجمع مستطلعون أنهم يفضلون التسوق من الجمعيات والمراكز التجارية بصفة دورية، لأسباب كثيرة، منها: الثقة في المنتجات وصلاحيتها وطريقة حفظها، وأسعارها الأقل من البقالات، إضافة إلى الخيارات التسويقية الكثيرة المتوفرة هناك.

وفي الشارقة قال مستطلعون إن المستلزمات التي توفرها الجمعيات التعاونية، ومراكز «متاجر» في بعض الأحياء السكنية، تتصدر المشهد شرائياً، ناهيك عن الانتشار الكثيف للسوبر ماركت في مناطق متناثرة بين البنايات وفي الأحياء السكنية المختلفة.

وتعد «متاجر» مفهوماً جديداً للمركز التجاري المجتمعي، أطلقته «الشارقة القابضة»، ويهدف إلى تزويد الأحياء السكنية بمنتجات رائدة ومتاجر عالية الجودة، عن طريق إطلاق سلسلة رائدة من محلات التجزئة التي توفر مجموعة متنوعة من منتجات التجزئة، وهو ما يعني انكماش حضور البقالات على المدى البعيد. وتحتضن إمارة الشارقة أربعة فروع لـ «متاجر» في: القوز، والجرينة، والمرقاب، والخان. وهي تسعى إلى توفير تجربة تسوق مريحة عائلية وملائمة للمجتمعات، وضمن أجواء عصرية. وجميع فروعها تضم محل سوبر ماركت بالإضافة إلى المطاعم والمقاهي والخدمات التي تتوفر حتى منتصف الليل.

وأكد متسوقون أن فكرة التسوق واختيار الوجهة المثالية للحصول على مستلزمات البيت، محكومة بعناصر كثيرة؛ منها الحالة الاجتماعية من حيث الشخص أعزب أو رب أسرة، ثم نوعية السلع والخيارات الشرائية المتوفرة، وأخيراً العروض الترويجية المعلن عنها، كما هو حال الجمعيات التي توفر أرقاماً خاصة بالزبائن وبطاقات تميز وما إلى ذلك، ومثل هذه المحفزات لا تتوفر في البقالات.

«تجارة عامة» في بضعة أمتار مربعة

الأسرة التي تنتقل للسكن في منطقة جديدة، تشعر براحة نفسية كبيرة حينما تجد بقالة بالقرب من البيت، ذلك ما أكدته نورة سيف المهيري التي جزمت أنها لا يمكن أن تتصور أن يأتي يوم ولا تجد للبقالة أثراً في «الفريج»، لأنها جزء من حياة وماضي شعب، وهي أساس تفاصيل نفسية واجتماعية ملتصقة بقلوب وعقول الجميع. وفي غالب الأيام لا يمكن لأسرة أن تبيت دون اتصال مع البقالة، أو شراء حاجة ما منها.

مشروبات الطاقة

رغم هذا الحماس، إلا أن المهيري تفضل مزيداً من الرقابة على البقالات لمنعها بصورة جازمة من بيع السجائر ومشروبات الطاقة التي تستهوي شريحة الصغار والمراهقين، لافتة إلى مشكلة أخرى مشهودة لدى البقالات بصورة عامة، تتعلق بآلية التخزين والحفظ، لاسيما المياه والمشروبات الغازية التي تترك طويلاً معرضة لأشعة الشمس في الخارج، وفي ذلك مجازفة كبيرة لا بد من تجاوزها حفاظاً على السلامة العامة.

وفي السياق ذاته؛ أوضحت راية المحرزي عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية المستهلك ورئيسة حملة التوعية في هذا المجال، أنها ومن خلال جولاتها الميدانية على بقالات في مختلف إمارات الدولة وفي المناطق البعيدة أيضاً، فقد رصدت مخالفات كثيرة، منها ارتفاع السلع فيها إلى أضعاف السعر الموجود في الجمعيات مثلاً، والزيادة غير المشروعة في «حساب الصبر» آخر الشهر، وفي ذلك مخالفات صريحة يواجهها السكان كل يوم في آلاف البقالات المنتشرة على مستوى إمارات الدولة كافة.

مخالفات كثيرة

كما رصدت المحرزي بقالات كثيرة، تحولت إلى مواقع تمارس نشاط «التجارة العامة»، وتتزاحم فيها أطنان من السلع فوق بضعة أمتار مربعة، وكثير منها يبيع المواد الغذائية واللحوم والمثلجات وألعاب الأطفال والمواد الاستهلاكية الأخرى، بالإضافة إلى بعض الأدوية مثل «الأدول»، والكريمات الخاصة بالشعر والبشرة، ناهيك عن مطحنة البهارات التي تطحن كل الأصناف الأخرى دون اكتراث، مشيرة إلى مشكلة الغش التجاري في العديد من السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية الأخرى، والتي تباع بأسعار مرتفعة جداً، رغم تدني سعر التكلفة فيها.

التوصيل الفوري

وأكدت المحرزي أن أصحاب البقالات والعاملين فيها لا يخفون ارتفاع أسعار السلع المتوفرة لديهم، وهم على علم بالثمن الحقيقي لتلك السلع في السوق، والحاصل أن هذه البقالات تدعي دائماً ارتفاع أسعار الإيجار لاسيما في الأبراج السكنية الحديثة، وكلفة فاتورة الكهرباء الكبيرة، ومصاريف العمال وسوى ذلك، لذا يرون أن من حقهم زيادة الأسعار، خاصة وأنهم يوفرون خدمة توصيل السلع الفورية إلى مكان الطلب، ناهيك عن توفرها طوال وقت الحاجة لها، وهو ما يمنح أصحابها ثقة رفع الأسعار كما يحلو لهم.

حس الوطنية

وقالت عضو مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك، إنها تبادر في النزول إلى الميدان دائماً، وتمارس دورها الرقابي من منطلق إحساسها بالوطنية والانتماء الذي تكنه في داخلها للوطن والمجتمع. وفي جولاتها الميدانية المتعاقبة تكتشف المزيد من المخالفات التي تجسدها البقالات ومطاعم الكافتيريا الصغيرة المتوفرة في «الفرجان» والأحياء السكنية في كافة مناطق الدولة. وفي مرات كثيرة تبلغ البلديات وغرف التجارة، والشرطة أحياناً، بالمخالفات التي تجدها، داعية إلى مزيد من الرقابة والحزم على البقالات المخالفة، بمنعها على الأقل من بيع المواد الطبية والسلع المقلدة، لأن في ذلك ضرراً على صحة المجتمع.