أخبار عاجلة

الجبتانا

أقرأ حاليا «الجبتانا: أسفار التكوين المصرية»، وهو نص شفاهى سجله على الألفى عن رواية الأب أبيب النقادى. انتهى «الألفى» من تحقيقه فى 1988 ونشر عن دار «روافد» فى عام 2009. ويعود تاريخ النصوص إلى القديمة، حيث كان الكهنة يحفظونها ويرددون نصوصها المقدسة فى المعابد المصرية. ويقول على الألفى إن المؤرخ القديم مانيتون السمنودى قد سجله، ولكن لا يوجد دليل تاريخى على هذا الأمر. لكن المؤكد أن المصريين قد تناقلوا تلك النصوص عبر آلاف السنين. وهو الأمر الذى يدعو للتأمل.

ويشرح على الألفى فى المقدمة مسيرة الجبتانا مع ظهور المسيحية ودخول الجبتوس (الأقباط أو المصريين) الديانة الجديدة. توارت العبادة المصرية القديمة، ولكن الجميع ظلوا يتحدثون اللغة المصرية ويرددون متن «الجبتانا» ويقدسونه خوفاً على لغتهم. وعندما انتشرت اللغة العربية مع الإسلام، انزوت اللغة المصرية فى الكنائس وبين العائلات القبطية (حتى العصر الفاطمى)، وظل المصريون الأقباط يرددون الجبتانا كمتن مقدس يربطهم باللغة والتاريخ.

كما يخبرنا الألفى عمن نقل عنه هذه الحكاية: الأب الراهب أبيب النقَّادى الذى ولد فى أواخر ستينيات القرن التاسع عشر وتوفى فى خمسينيات القرن العشرين. كان الأب أبيب مثقفاً موسوعياً مستنيراً ومن حافظى الجبتانا بالصورة التى وصلت بها إليه عبر خمسة وخمسين جيلاً كاملاً كما يقول. يحبها ويتلوها بالعربية (نقلا عن الديموطيقية). ويعبر الأب أبيب عن حالة مصرية خاصة من الانفتاح على ثقافات العالم التى انصهرت فى كيانه فأفرزت رجلاً سمحاً يتحلق مثقفو المنصورة حوله بجميع أطيافهم وبغض النظر عن دياناتهم، وينقل هو إليهم ومضات من حكمته التى تشكل جسراً قوياً مع أصول الهوية المصرية.

فى الجبتانا نتعرف على حكاية البدايات: كيف تشكل العالم بانفصال الـ«نون» (المحيط الأزلى) عن السماء، كيف سكن الآلهة أرض مصر وكيف صعدوا إلى السماء، اكتشاف النار وتنامى قدرة البشر على استئناس وتدجين الحيوان وزحف «الجبتيين» (نسبة إلى أبيهم الأول «جبتو مصرايم») من الأرض المتصحرة نحو النهر، تأملات المصرى للكون وتشكُّل تصوراته عن صراع الخير مع الشر (حكاية إيزيس وأوزيريس)، إدراكه لوجود إله خالد مطلق وملائكة وعالم آخر وبعث وحياة أبدية. وهكذا تتتالى أسفار التكوين كاشفة عن رحلة المصريين من الطور الحيوانى إلى طور التفكر والفلسفة، عن انتقالهم من مرحلة الصيد والقنص إلى تلاوة المزامير للآلهة: «أيتها الأم السماوية والربة العظيمة نوت، يا من تبتلعين الشمس فى آخر النهار وتلدينها من جديد مع مشرق كل صباح... نشكر لك هديتنا إلى سر نارك المقدسة طاردة المسوخ والتنانين ومنضجة الطعام الذى هو سر الحياة».

فى انتقال الملحمة من فم لفم ومن جيل لآخر يكمن بعض الكشف عن تطور العقل المصرى عبر آلاف السنين. إنها حكاية خيالية تشير إلى جذور تصورات المصريين عن الآلهة والبشر والكون.