أخبار عاجلة

«المكارثية» فى إعلامنا

«المكارثية» فى إعلامنا «المكارثية» فى إعلامنا

من يتابع الإعلام المصرى جيداً هذه الأيام، سيجد نزعة عامة للاغتيال المعنوى للأشخاص، وتفتيشا فى الضمائر، واتهامات بالخيانة بما يشبه عمليات «صيد الساحرات» التى جرت فى العصور الوسطى، أو حملة النشاط المعادى فى أمريكا التى عرفت إعلاميا باسم «المكارثية». فكل رأى مخالف للإعلامى مقدم البرنامج يصبح صاحبه من الطابور الخامس، أى جاسوس بصورة غير مباشرة، وكل حركة سياسية لا تقول ما يقوله الإعلامى تصبح عميلة لجهات أجنبية، وكل ذلك من دون أن تتاح فرصة لصاحب الرأى لكى يوضحه أو يدافع عنه أو حتى لكى نتأكد من أنه قاله فى يوم من الأيام.

وهؤلاء الإعلاميون بعضهم عرفناه قبل ثورة 25 يناير، باعتباره من مؤيدى «الجهات الأمنية » أو معبرا عنها أو وسيلة لكى تسرب عن طريقه بعض التسريبات التى تسىء إلى معارضى النظام، والبعض الآخر لا نعرف عنه أى معلومات يمكن لنا عبرها أن نتأكد من دقة معلوماته أو من أهليته لكى يقوم بتحليل الأحداث على الهواء، مثل دراسته ومدى ثقافته ومدى اطلاعه على الجديد الذى يمكّنه من التحليل. فقد رأينا معظمهم فجأة يطلون علينا عبر شاشات التليفزيون، وهم وجدوا أن التهييج والإثارة وسيلة للانتشار فسعوا لهما، وهم لم يدركوا أن هذا المنهج يؤثر سلبا على الثقافة السياسية فى المجتمع، وأن مخاطره تستمر لأجيال عديدة، وبالتالى ليس عليهم حرج، وإنما الحرج على إدارات القنوات التى تسمح لهم بالإثارة والتهييج والإساءة لخلق الله والاغتيال المعنوى للشخصيات.

ولا يقتصر الأمر فقط على مقدمى البرامج ولكن على ضيوف قادمين من جهات أمنية مباشرة، والمؤسف أن مقدمى البرامج يتركونهم يتهمون خلق الله من دون إيقافهم أو على الأقل سؤالهم عن مصادر المعلومات التى استقوا منها الاتهامات المباشرة التى تضعهم تحت طائلة القانون. ويبدو من مشاهدة معظم القنوات التليفزيونية أنها لا تقدم لمقدميها دفاتر أسلوب أو مواثيق أخلاقية، عليهم الالتزام بها من أجل المحافظة على صورة القناة ومصداقيتها أمام مشاهديها.

وقد رأينا مجلتين أسبوعيتين هما «الأهرام العربى» و«الإذاعة والتليفزيون» تنشران موضوعين صحفيين يمكن أن يدرّسا فى كليات الإعلام وأقسام الصحافة، باعتبارهما نموذجا لعدم المهنية. فالأولى نشرت ملفا بعنوان «الطابور الخامس» جمعت فيه الشامى على المغربى، واتهمت كل من تريد دون دليل واحد ومن دون أن تسمح لأحد منهم بأن يدافع عن نفسه ومن دون أن تضع فى اعتبارها موقف مؤسسة الأهرام عندما ترفع عليها عشرات القضايا المطالبة بالتعويض عن الإساءة والاتهامات الجزافية، وهل ستتحمل المؤسسة هذه التعويضات أم يتحملها رئيس التحرير القادم من العمل لدى رئيس الوزراء السابق هشام قنديل عندما كان وزيرا للرى؟ وهل فى هذا الملف خروجا على تقاليد مؤسسة عريقة هى الأهرام، أم أن البحث عن الإثارة أصبح هدفا فى حد ذاته، أم أن رئيس التحرير تصور أن تنفيذ «التعليمات» ينجيه من أى مساءلة مهنية أو مؤسسية أو قانونية؟

أما الثانية فحررت ملفا لا يختلف عن ذلك الذى حررته الأولى سوى فى أنه ضم شخصيات أقل، وهاجم بعض الشخصيات العامة باعتبارهم من الطابور الخامس أيضا، وفات المجلة أن هناك قواعد مهنية فى اتهام الأشخاص، وأن هؤلاء من حقهم الدفاع عن أنفسهم، وأن هناك ميثاق شرف صحفيا يجب الالتزام به.

وهذه الاتهامات وإن كانت تجد صدى حاليا لدى نوعية من القراء، فهى تؤثر سلبا على المناخ السياسى العام، وتؤثر أكثر على مصداقية الإعلام، وتجعل قطاعات من الناس تنفض من حوله، بل تطالب بالحد من الحرية المحدودة التى يتمتع بها الإعلام المصرى فى الوقت الراهن، أى أن المحصلة سلبية على المجتمع فى النهاية حتى وإن لبت «شهوة» القائمين على الإعلام فى الوقت الراهن.

أعلم أن هذا الأمر مؤقت، وأن مصير هؤلاء سيكون مثل مصير السيناتور جوزيف مكارثى، أى إلى مكان مظلم فى التاريخ، ولكن ما يهم فى هذا الأمر هو مصداقية الإعلام المصرى والتزامه بالأخلاقيات المهنية ومواثيق الشرف، لأن هذا الوضع يعنى انتشار ثقافة النميمة فى المجتمع وتشويه الشخصيات العامة، ما يعنى تجريف الساحة لكى يعبث فيها عملاء الأمن أو أساطين التيار الدينى الذين استفادوا من ممارسات النظام السابق فى تشويه صورة المعارضين له، أى إننا نعود إلى الوراء، ولعل نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة يكون لديهما الحل. وعلى كل من شوه الإعلام المصرى، مقروءا أو مرئيا، أن يذهب إلى القضاء أو إلى النقابة أو المجلس الأعلى للصحافة لكى يطالب بحقه فى رد الاعتبار، لأن ذلك هو الطريق لوقف هذه الممارسات المرضية.