أخبار عاجلة

الحمد: الرفث مُحرّم في الحج والفسوق في كل وقت ولا يصح التمادي في الجدال تجنباً لإساءة معاملة الآخرين

الحمد: الرفث مُحرّم في الحج والفسوق في كل وقت ولا يصح التمادي في الجدال تجنباً لإساءة معاملة الآخرين الحمد: الرفث مُحرّم في الحج والفسوق في كل وقت ولا يصح التمادي في الجدال تجنباً لإساءة معاملة الآخرين
  • فضيحة الآخرة شر من فضيحة الدنيا والتزود بالتقوى يقي المسلم من كل الشرور
  • لابد أن يذهب أناس للحج وحظهم العمل لخدمة الحجاج
في رحلة الحج يتحمل المسلم ترك الوطن والتعرض للمشاق وبذل المال وترك الولد، انقطاعا إلى الله، وهجرة إلى رضاه وعملا على تكفير ذنوبه وفتح صفحة جديدة من صفحات الإيمان. حول ما هو مطلوب من كل حاج يحدثنا استاذ التفسير بكلية التربية د.وليد الحمد.

قال تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولي الألباب) (البقرة 197)، قال الشعراوي في تفسير هذه الآية: ولنا أن نلحظ أن الحق قال في الصوم: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) ولم يذكر شهور الحج: شوالا وذا القعدة وعشرة من ذي الحجة كما ذكر رمضان، لأن التشريع في رمضان خاص به فلابد ان يعين زمنه، لكن الحج كان معروفا عند العرب قبل الاسلام، ويعلمون شهوره وكل شيء عنه، فالأمر غير محتاج لذكر اسماء الشهور الخاصة به، والشهور المعلومة هي: شوال وذو القاعدة وعشرة ايام من ذي الحجة وتنتهي بوقفة عرفات وبأيام منى، وشهر الحج لا يستغرق منه سوى عشرة ايام، ومع ذلك ضمه لشوال وذي القاعدة، لأن بعض الشهر يدخل في الشهر.

وكلمة (معلومات) تعطينا الحكمة من عدم ذكر اسماء شهور الحج، لأنها كانت معلومة عندهم.

(فمن فرض فيهن الحج) والفرض ليس من الإنسان إنما الفرض من الله الذي فرض الحج ركنا، وأنت إن ألزمت به نفسك نية وفعلا، وشرعت ونويت الحج في الزمن المخصوص للحج تكون قد فرضت على نفسك الحج لهذا الموسم الذي تختاره وهو ملزم لك. وقوله سبحانه: «فرض» يدل على أنك تلتزم بالحج وإن كان مندوبا، اي غير مفروض.

(فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والرفث للسان وللعين، وللجوارح الأخرى رفث، كلها تلتقي في عملية الجماع ومقدماته، ورفث اللسان في الحج ان يذكر مسألة الجماع، ورفث العين ان ينظر الى المرأة بشهوة، فالرفث هو كل ما يأتي مقدمة للجماع، او هو الجماع او ما يتصل به بالكلمة او بالنظرة او بالفعل.

الفسوق والجدال

وشدد الحمد ان الرفث وإن أبيح في غير الحج فهو محرم في الحج، اما الفسوق فهو محرم في الحج وفي غير الحج، فكأن الله ينبه الى انه وإن جاز ان يحدث من المسلم فسوق في غير الحج، فليس من الادب ان يكون المسلم في بيت الله ويحدث ذلك الفسوق منه، إن الفسوق محرم في كل وقت، والحق ينبه هنا المسرف على نفسه، وعليه ان يتذكر ان كان قد فسق بعيدا عن بيت الله فليستح ان يعصي الله في بيت الله، فالذاهب الى بيت الله يبغي تكفير الذنوب عن نفسه، فهل يعقل ان يرتكب فيه ذنوبا؟ لابد ان تستحي ايها المسلم وانت في بيت الله، واعلم ان هذا المكان هو المكان الوحيد الذي يحاسب فيه على مجرد الارادة.

ويقول الله عزّ وجلّ: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج 25).

إذن الرفث حلال في مواضع، لكنه يحرم في البيت الحرام، ولكن الفسوق ممتنع في كل وقت، وامتناعه اشد في البيت الحرام.

والجدال وإن كان مباحا في غير الحج فلا يصح ان يوجد في الحج.

ولنا ان نعرف ان مرتبة الجدال دون مرتبة الفسوق، ودون مرتبة العصيان، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» لم يقل: «ولم يجادل» إن بشرية الرسول تراعي ظروف المسلمين، فمن المحتمل ان يصدر جدال من الحاج نتيجة فعل استثاره، فكأن عدم ذكر الجدال في الحديث فسحة للمؤمن ولكن لا يصح ان نتمادى فيها، والجدال ممكن في غير الحج بدليل: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل 125).

الجدال

وقال عن الجدال هو ان يلف كل واحد من الطرفين على الآخر ليطوقه بالحجة، ثم انظر الى تقدير الحق لظروف البشر وعواطف البشر والاعتراف بها والتقنين لأمر واقع معترف به، فالحج يخرج الانسان من وطنه ومن مكان اهله، ومن ماله، ومما ألف واعتاد من حياة، وحين يخرج الانسان هذا الخروج فقد تضيق اخلاق الناس، لأنهم جميعا يعيشون عيشة غير طبيعية، فهناك من ينام في غرفة مشتركة مع ناس لا يعرفهم، وهناك اسرة تنام في شقة مشتركة ليس فيها إلا دورة مياه واحدة، ومن الجائز ان يرغب احد في قضاء حاجته في وقت قضاء حاجة شخص آخر، وحين تكون هذه المسألة موجودة لا رأي لإنسان، ولذلك يقال: «لا رأي لحاقن» اي لا رأي لمحصور.. اي لمن يريد قضاء حاجته من بول، وكذلك الشأن في الحاقب وهو الذي يحتبس غائطه لأنها مسألة تخل توازن الإنسان.

إذن فالحياة في الحج غير طبيعية، وظروف الناس غير طبيعية، لذلك يحذرنا الحق من الدخول في جدل، لأنه ربما كان الضيق من تغيير نظام الحياة سببا في إساءة معاملة الآخرين، والحق يريد ان يمنع هذا الضيق من ان يؤثر في علاقتنا بالآخرين، وقد اثبتت التجربة ان من يذهبون للحج في جماعة إما ان يعودوا متحابين جدا وإما أعداء ألداء.

ولذلك يطلب إلينا الحق ان يصبر كل إنسان على ما يراه من عادات غيره في أثناء الحج، وليحتسب خروجه عن عاداته وعن رتابة اموره وعن انسه بأهله يحتسب ذلك عند الله، وليشتغل بأنس الله، وليتحمل في جانبه كل شيء، ويكفي انه في بيت الله وفي ضيافته.

والحق سبحانه وتعالى يقول: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) فبعد ان نهانا الحق بقوله: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وتلك أمور سلبية وهي أفعال على الانسان ان يمتنع عنها، وهنا يتبع الحق الافعال السلبية بالامر بالافعال الايجابية، افعال الخير التي يعلمها الله.

إيجاب وسلب

ان الله يريد ان نجمع في العبادة بين امرين، سلب وايجاب، سلب ما يقال عن الرفث والفسوق والجدال، ويريد ان نوجب ونوجد فعلا (وما تفعلوا من خير يعلمه الله).

وزاد: ما هو ذلك الخير؟ انها الامور المقابلة للمسائل المنهي عنها، فاذا كان الانسان لا يرفث في الحج فمطلوب منه ان يعف في كلامه وفي نظرته وفي اسلوبه وفي علاقته بامرأته الحلال له، فيمتنع عنها ما دام محرما ويطلب منه ان يفعل ما يقابل الفسوق من بر وخير.

وفي الجدال نجد ان مقابله هو الكلام بالرفق والادب واللين وبحلاوة الاسلوب وبالعطف على الناس، هذا هو المقصود بقوله (وما تفعلوا من خير يعلمه الله)، وكلمة من قوله (من خير) للابتداء، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك ان تصنع خيرا وهو سبحانه يرى اقل شيء من الخير، ولذلك قال (يعلمه الله)، فكأنه خير لا يراه احد، فالخير الظاهر يراه كل الناس، والتعبير (يعلمه الله) اي الخير مهما صغر، ومهما قل فإن الله يعلمه، وكثير من الخيرات تكون هواجس بالنية، ويجازي الله على الخير بالجزاء الذي يناسبه.

التقوى

واستطرد قائلا: وقول الحق (وتزودوا) والزاد هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره، وكان هذا امرا مألوفا عند العرب قديما، لأن المكان الذي يذهبون اليه ليس فيه طعام، وكل هذه الظروف تغيرت الآن، وكذلك تغيرت عادات الناس التي كانت تذهب الى هناك، كانت الناس قديما تذهب الى الحج ومعها اكفانها، ومعها ملح طعامها، ومعها الخيط والابرة، فلم يكن في مكة والمدينة ما يكفي الناس، واصبح الناس يذهبون الآن الى هناك ليأتوا بكماليات الحياة، وأصبحت لا تجد غرابة في ان فلانا جاء من الحج ومعه كذا وكذا، كأن الحق سبحانه وتعالى جعل من كل ذلك ايذانا بأنه اخبر قديما يوم كان الوادي غير ذي زرع فقال (يجبى اليه ثمرات كل شيء ـ القصص: 57).

وانظر الى دقة الاداء القرآني في قوله (يجبى)، ومعناها يؤخذ بالقوة وليس باختيار من يذهب به، فكأن من يذهب بالثمرات بكل الوانها الى هناك مرغم ان يذهب بها، وهو رزق من عند الله، وليس من يد الناس. وهذا تصديق لقوله تعالى (وارزقهم من الثمرات ـ ابراهيم: 37).

وقوله الحق (وتزودوا) مأخوذة كما عرفنا من الزيادة، والزاد هو طعام المسافر، ومن يدخر شيئا لسفر فهو فائض وزائد عن استهلاك إقامته، ويأخذه حتى يكفيه مؤونة السؤال أو الاستشراف إلى السؤال، لأن الحج ذلة عبودية، وذلة العبودية يريدها الله له وحده. فمن لا يكون عنده مؤونة سفره فربما يذل لشخص آخر، ويطلب منه أن يعطيه طعاما، والله لا يريد من الحاج أن يذل لأحد، ولذلك يطلب منه أن يتزود بقدر حاجته حتى يكفي نفسه، وتظل ذلته سليمة لربه، فلا يسأل غير به، ولا يستشرف للسؤال من الخلق، ومن يسأل أو يستشرف فقد أخذ شيئا من ذلته المفروض أن تكون خالصة في هذه المرحلة لله وهو يوجهها للناس، والله يريدها له خالصة.

شر الفتنة

وضرب د.الحمد امثلة للتواكل، فقال: وان لم يعط الناس السائل والمستشرف للسؤال فربما سرق أو نهب قدر حاجته، وتتحول رحلته من قصد البر إلى الشر. وكان بعض أهل اليمن يخرجون إلى الحج بلا زاد ويقولون: «نحن متوكلون، أنذهب إلى بيت الله ولا يطعمنا؟»، ثم تضطرهم الظروف لأن يسرقوا، وهذا سبب وجود النهب والسرقة في الحج. إن إلحاح الجوع قد يدفع الإنسان لأن ينهب ويسرق ليسد حاجته.

ومن هنا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على النفس البشرية هذا الشر فقال: (وتزودوا)، انه أمر من الله بالتزود في هذه الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه وعن معارفه، ويقول سبحانه (فإن خير الزاد التقوى)، ونعرف أن الزاد هو ما تقي به نفسك من الجوع والعطش، وإذا كان التزود فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء فيها، ألا تحتاج إلى زاد اكبر؟ فكأن الزاد في الرحلة الفانية يعلمك أن تتزود للرحلة الباقية. إذن فقوله (فإن خير الزاد التقوى) يشمل زاد الدنيا والآخرة. والله سبحانه وتعالى يذكرنا بالأمور المحسة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية، لكن إذا نظرت بعمق وصدق وحق وجدت الأمور المعنوية أقوى من الأمور الحسية. ولذلك نلاحظ في قوله سبحانه وتعالى (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ـ الأعراف: 26).

هذا أمر حسي. ويفيدنا ويزيدنا سبحانه (ريشا) إنه سبحانه لا يواري سوءة فقط، وإنما زاد الأمر إلى الكماليات التي يتزين بها، وهذه الكماليات هي الريش، أي ما يتزين به الإنسان، ثم قال الحق (ولباس التقوى ذلك خير ـ الأعراف: 26). أي أنعمت عليكم باللباس والريش، ولكن هناك ما هو خير منهما وهو (لباس التقوى). فإن كنت تعتقد في اللباس الحسي أنه ستر عورتك ووقاك حرا وبردا وتزينت بالريش منه فافهم أن هذا أمر حسي، ولكن الأمر الأفضل هو لباس التقوى، لماذا؟ لأن مفضوح الآخرة شر من مفضوح الدنيا. إذن فقوله (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) يعني أن الحق يريد منك أن تتزود للرحلة زادا يمنعك عن السؤال والاستشراف أو النهب أو الغصب، واحذر أن يدخل في شيء مما حرم الله، وليكن تزودك في دائرة: (واتقون يا أولي الألباب) أي يا أصحاب العقول، ولا ينبه الله الناس إلى ما فيهم من عقل إلا وهو يريد منهم أن يحكموا عقولهم في القضية، لأنه جل شأنه يريد منك أن تحكم عقلك، فإن حكمت عقلك في القضية فسيكون حكم العقل في صف أمر الله. ولما كان الله سبحانه بسعة لطفه ورحمته يريد في هذه الشعيرة المقدسة والرحلة المباركة أن يتعاون الناس، أذن لجماعة من الحجاج أن تقوم على خدمة الآخرين تيسيرا لهم. ومن العجيب أن الذين يقومون بخدمة الحجاج يرخص الله لهم في الحج أن ينفروا قبل غيرهم؟ لأن تلك مصلحة ضرورية. فهب أن الناس جميعا امتنعوا عن خدمة بعضهم بعضا فمن الذي يقوم بمصالح الناس؟ إذن لابد أن يذهب أناس وحظهم العمل لخدمة الحجاج، والله سبحانه وتعالى بين ذلك ووضحه بقوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله).