أخبار عاجلة

جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً (2- 3)

جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً  (2- 3) جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً (2- 3)

عندما تحدث «البنا» عن الوطن

ولعل من حقى أن أسأل القارئ هل تستطيع الإمساك بالزئبق؟ إن استطعت فسوف تستطيع أن تمسك بالموقف الحقيقى للجماعة من أى قضية تهم الوطن، وتهمك شخصيا. القول ونقيضه وهما معا يبقيان لتستخدمهما الجماعة عند الحاجة.

هكذا كان الأمر منذ البداية.. وهكذا حتى عهد مرسى.. وحتى اليوم

لكن البنا مع ذلك لا يقدم أى برنامج سياسى كامل لبلد يخوض معركة تحرر من الاستعمار، بل لعله قد تهرب كثيراً من تحديد أى موقف سياسى واضح من أى قضية قومية أو وطنية أو اجتماعية، وإذا ما سئل كأى زعيم سياسى عن برنامجه أجاب: «نحن مسلمون وكفى، ومنهاجنا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفى»، ثم هو لا يزيد الأمر تفصيلاً، فإذا أبدى البعض شكوكه حول إمكانية العمل السياسى دون برنامج سياسى وطنى متكامل اتهمه الشيخ بأنه «مريض القلب، سيئ الظن، فهو يطعن ويتجنى ويتلمس للبراءة العيب، وكلا الأمرين وبال على صاحبه وهلاك للمتصف به».

غير أن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ لا يمكن لرئيس جماعة سياسية أن يقتحم ميدان العمل السياسى معلناً أن الإسلام «طاعة وحكم ومصحف وسيف» دون أن يدفع الجميع إلى التساؤل حول من الذى سيستعمل السيف؟ وضد من؟ ولعل التساؤلات بدت فى محلها تماماً عندما استخدم السيف بالفعل أسلوباً فى تعاملات الجماعة مع خصومها.

وإذا أردنا مثالا آخر للتلاعب بالألفاظ والمواقف ومراكمة مناقضاتها جنباً إلى جنب كى يُستخدم أى منها عند الضرورة نقرأ للأستاذ البنا فى «نحو النور». «لابد من جديد فى هذه الأمة، هذا الجديد هو تغيير النظم المرقعة المهلهلة، التى لم تجن منها الأمة غير الانشقاق والفرقة، وهو تعديل الدستور المصرى تعديلاً جوهرياً بحيث توحد فيه السلطات».

وفى رسالة المؤتمر الخامس يقول البنا: «إن من نصوص الدستور المصرى ما يراه الإخوان المسلمون مبهماً وغامضاً ويدع مجالاً واسعاً للتأويل والتفسير، الذى تمليه الغايات والأهواء، فهى فى حاجة إلى وضوح وإلى جديد وبيان.. هذه واحدة، والثانية هى أن طريقة التنفيذ التى يطبق بها الدستور أثبتت التجارب فشلها، وجنت منها الأمة الأضرار لا المنافع، فهى فى حاجة شديدة إلى تحديد، وإلى تعديل يحقق المقصود ويفى بالغاية، ولا بد أن تكون فينا الشجاعة الكافية لمواجهة الأخطاء، والعمل على تعديلها، أما الأمثلة التفصيلية والأدلة الوافية، ووصف طرائق العلاج والإصلاح ففى رسالة خاصة إن شاء الله».

لكن البنا سرعان ما يتراجع بعد أن تلقى تأنيباً وتحذيراً ممن كان يخشاهم، ويخشى أى تصادم معهم أى من رجال القصر الملكى، ومن ثم يعود متراجعاً «إن الدستور بروحه وأهدافه العامة لا يتناقض مع القرآن من حيث الشورى، وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات، وإن ما يحتاج إلى تعديل منه يمكن أن يعدل بالطريقة، التى رسمها الدستور ذاته».

بل هو يواصل تراجعه إلى درجة تثير الدهشة «ما كان لجماعة الإخوان المسلمين أن تنكر الاحترام الواجب للدستور باعتباره نظام الحكم المقرر فى ، ولا أن تحاول الطعن فيه، أو إثارة الناس ضده، وحضهم على كراهيته، ما كان لها أن تفعل ذلك، وهى جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة، وأن الثورة فتنة، وأن الفتنة فى النار».

لماذا كل هذه القعقعة إذن؟ ولماذا الحديث عن الجهاد وعن النظام الإسلامى، وعن التغيير الجذرى، إذا كان النظام القائم سواء فى عهد جلالة الملك فاروق (صديق الإخوان)، أو فى عهد جمال عبدالناصر (عدوهم) مقبولاً من جانبهم، ولا ينكرون «الاحترام الواجب له، باعتباره نظام الحكم المقرر».

فقد تحسب البنا من التصادم المفتوح مع السلطة، وخشى من الثورة، التى قد تنقلب ضده، فأوقع نفسه بين شقى الرحى، يريد ولا يريد، يطالب بنظام إسلامى وبالجهاد بحد السيف من أجل تحقيقه، ثم يقبل بما هو قائم، ولا يحاول الطعن فيه، أو إثارة الناس ضده.

لكننا نخطئ إذا تصورنا أن البنا كان سياسياً يتلاعب بالموقف ونقيضه وفقط، فقد قدم متسللاً ودون أن يلقى ضوءاً كثيفا على الكلمات، محدداً بدائل لكل شىء. صحيح أنه يقولها عابراً ودون ضجيج، لكنه يعنيها فى حقيقة الأمر.

ففى مقابل دستور 23 قال القرآن دستورنا.

وفى مقابل الزعامة المهيبة لمصطفى النحاس، أو حتى سلطة الملك فاروق قال الرسول زعيمنا.

وفى مواجهة الوطن والسعى لاستقلاله كأرض لأبنائه المصريين رفع شعار الخلافة الإسلامية، وبدلاً من مصر وطنه، ومن مواطنيه المصريين يتحدث عن الوطن الإسلامى قائلاً «إنه يسمو عن الحدود الجغرافية والوطنية وعلاقات الدم إلى وطنية المبادئ الإسلامية».

وفى مقابل النضال المشترك مع الشعوب العربية الشقيقة، والتعايش السلمى مع من لا يبدأ بالعدوان علينا قال «إن الدور عليكم فى قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس».

وفى مواجهة تصاعد النضال الاجتماعى والطبقى فى مصر خلال بداية الأربعينيا