أخبار عاجلة

الإخوان يختلقون «مسألة مصرية»!

الإخوان يختلقون «مسألة مصرية»! الإخوان يختلقون «مسألة مصرية»!

خلال القرن الأخير من حياة الإمبراطورية العثمانية، تعددت المحاولات الأوروبية للتدخل فى شؤونها، والسباق على وراثة أجزاء منها، خاصة بواسطة بريطانيا وفرنسا وروسيا والحركة الصهيونية، كما شاع استخدام مصطلح «المسألة الشرقية» لوصف الحركات المُتمردة على الإمبراطورية العثمانية.

وقد اتصل بى الناشط السكندرى حسام ناصف منذ أيام وهو غاضب، لكثرة الوفود الأجنبية التى زارت مؤخراً، بداية بكاترين آشتون، مفوضة الاتحاد الأوروبى، مروراً بجون كيرى، وزير خارجية الولايات المتحدة، ووليام بيرنز، وكيل الخارجية الأمريكية، وعضوى مجلس الشيوخ الأمريكى جون ماكين (عن الحزب الديمقراطى) ولينزى جراهام (عن الحزب الجمهورى) للوساطة بين الإخوان المسلمين والحكومة المصرية!

وحقيقة الأمر أن الإخوان المسلمين يستخدمون اعتصام شبابهم فى ميدان رابعة العدوية للضغط على كل مصرـ حكومة وجيشاً وشعباًـ لرد الاعتبار للرئيس المعزول د. محمد مرسى ولأركان نظامه، وكأن إرادة الشعب المصرى لا تعنيهم من قريب أو بعيد!

وبعد استدعاء الإخوان وسطاء أوروبيين وأمريكيين، فقد أضافوا للمشهد وسطاء آسيويين (أتراكاً وماليزيين)، ثم وسطاء عرباً (الإمارات وقطر). ويتعجب الناشط السكندرى مما إذا كانت مدينته الجميلة ستشهد قريباً ظهور بوارج وأساطيل من هذه الدول على شواطئها، كما كان يحدث فى القرن التاسع عشر، كوسيلة لمُمارسة الضغط على من يهمهم الأمر فى مصر المحروسة.

وحقيقة الأمر أنه لم تكن لدىّ إجابات قاطعة على تساؤلات الناشط السكندرى. ولكنى استحضرت مشهدين عربيين آخرين، هما لبنان فى القرن الماضى (العشرين)، والعِراق فى أوائل هذا القرن. ففى كل منهما كان الصِراع الداخلى يحتدم فيستدعى أو يستنجد أحد الأطراف المُتصارعة بقوة خارجية لإنقاذه من هزيمة مستحقة، أو استعادة مكانة مفقودة. وكثيراً ما كانت القوة الخارجية مُستعدة لتلبية هذه النداءات، لا حُباً فى نجدة هذه الأطراف المحلية بقدر استغلال الفُرصة لتأسيس موقع أو موطئ قدم.

ولعلنا نتذكر أن ذلك ما حدث فى مصر عام 1881، حينما احتلت بريطانيا مصر، بدعوى حماية الأقليات بعد مُشاجرة بين أحد الرعايا الأجانب (مالطى) وأحد المصريين، وظل هذا الاحتلال أكثر من سبعين عاماً. ويتكرر الشىء نفسه فى لبنان، البلد ذى الست عشرة أقلية مُتنافسة، ولكل منها حليف أجنبى تستدعيه وقت الحاجة.

لقد تحدثنا فى مقال سابق عن الإخوان كجماعة ظلت محظورة لعدة عقود، فلما اكتسبت الشرعية بعد ثورة 25 يناير، اختطفت تلك الثورة من الشباب الذين قاموا بها ثم اختطفت السُلطة، ثم بدأ مُخططها لاختطاف الوطن كله، وتقليصه إلى إمارة فى كيان مزعوم يحلمون بإحيائه، وهو دولة الخلافة الراشدة التى تمتد من إندونيسيا إلى نيجيريا، تمهيداً للسيطرة الكونية، أو بتعبير حسن البنا مؤسس الجماعة «أستاذية العالم»!

وهم لا يُدركون أو يتجاهلون أن بلاد المسلمين هذه تضم ستين بلداً، بعضها أكبر من مصر سُكاناً، مثل إندونيسيا ونيجيريا، وبعضها أكبر منها مساحة، مثل السودان والسعودية. وعشرون منها على الأقل أكثر من مصر تقدماً وثراء وديمقراطية. وأنها جميعاً دول مستقلة ذات سيادة، وأعضاء فى الأمم المتحدة ومنظمتى المؤتمر الإسلامى والوحدة الأفريقية والجامعة العربية، ولا يُعقل أن تتنازل عن سيادتها لجماعة الإخوان المسلمين. وهى لم تتنازل عن سيادتها لكيانات موجودة بالفعل، مثل الدولة العثمانية (تركيا) أو الدولة الصفوية (إيران). كما لم تستجب ـ باستثناء أفغانستان ـ لدعوة أسامة بن لادن.

وحتى ذلك البلد التعيس الذى استجاب لهم مازال فى صِراعات أهلية مُسلحة تجاوزت العشرين عاماً، وراح ضحيتها ما يزيد على مليون شخص، ما بين قتيل وجريح. وهو نفس ما حدث فى الجزائر فى حربها الأهلية بين جبهة الإنقاذ والجيش الجزائرى طوال عقد التسعينيات.

لقد كانت الخِلافة الراشدة، التى يحلم الإخوان بإحيائها، نتاج ظرف تاريخى لن يتكرر، وهو عصر النبوة وأربعة من صحابته فى القرن السابع الميلادى (أبوبكر، وعُمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب). ولم تتجاوز حقبتهم معاً أربعين عاماً، كما أن ثلاثة منهم (عُمر وعثمان وعلى) ماتوا قتلاً على يد مسلمين آخرين لأسباب دنيوية، هى المال والسُلطة. ولذلك لم تنجح المُحاولات المُتتالية لإحياء دولة الخِلافة طوال الأربعة عشر قرناً التالية.

ومع ذلك لا تتوقف مُحاولات الطامعين فى السُلطة والثروة فى تسويق حلم الخِلافة كدولة حق وعدل ورخاء للشباب المثالى المخدوع، وآخرهم أولئك الذين تمترسوا واعتصموا فى ميدانى رابعة العدوية ونهضة مصر (أمام جامعة القاهرة). إنه خداع فى خداع وأوهام فى أوهام.

وقد اكتشف ذلك العديد من كبرائهم، مثل الدكتور كمال الهلباوى، والمحامى النابه ثروت الخرباوى. وقد سجّل الأخير شهادته للتاريخ فى رائعته، وهو كتاب «سر المعبد»، الذى طُبع عشر مرات حتى كتابة هذا المقال (8/8/2013).

كما اكتشف نفس الخدعة آلاف من شباب الإخوان، فتمردوا على كبار الكهنة، وانفصلوا عن الجماعة، وأسّسوا جناحاً شبابياً أطلقوا عليه اسم «إخوان بلا عُنف».. فتحية للعُقلاء من شيوخ الإخوان.. وتحية للغيورين من شبابهم.

وعلى الله قصد السبيل

semibrahim@gmail.com