أخبار عاجلة

وثائق (داعش): كيف صمد التنظيم في سوريا والعراق لسنوات؟

مصراوي Masrawy

وثائق (داعش): كيف صمد التنظيم في سوريا والعراق لسنوات؟

03:46 م الجمعة 06 أبريل 2018

كتبت- هدى الشيمي:

على مدار قرابة 3 أعوام؛ استطاع تنظيم (داعش) الإرهابي السيطرة على أراضي تعادل مساحتها مساحة بريطانيا العظمى، ويبلغ تعدادها السكاني نحو 12 مليون شخص، في بداية نشأة التظيم المسلح في الشام والعراق.

ومع ذروة تمدد (داعش)، تمكن من السيطرة على 100 ميل من السواحل الليبية، وجزء من نيجيريا، ومدينة كبيرة في الفلبين، وكان له مواليين وأذرع في 13 دولة أخرى، ومع ذلك فإن أكبر وأهم مدينة استولى عليها التنظيم كانت الموصل العراقية.

وتتساءل صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن الأسباب التي ساعدت التنظيم في السيطرة على هذه المساحات في تلك الفترة، مُشيرة إلى أنها عثرت على بعض الإجابات في 1500 وثيقة تابعة لـ(داعش)، عثرت عليهم الصحفية روكماني كاليماشي، خلال 5 رحلات قامت بها إلى العراق على مدار أكثر من عام.

وبحسب الوثائق وشهادات المواطنين الذين عاشوا تحت حكم (داعش)، فإن التنظيم لم يحكم المنطقة بالسيف فقط، ولكنه أعتمد على أداتين، هما الوحشية والبيروقراطية.

أوضحت الوثائق؛ أن التنظيم تعامل مع بقائه في المنطقة وكأنه أبدي، فأسس دوائر حكومية وأعاد كتابة القوانين، كما أكد عشرات المواطنين أن مقاتلي وقادة التنظيم - المسلح والأكثر دموية - حكموا البلاد بطريقة أفضل من حكامها السابقين، حسب الصحيفة.

وقال المواطنون، إن قادة (داعش) تعلموا من أخطاء الولايات المتحدة بعد غزو العراق عام 2003، وأهمها إعفاء واشنطن المسؤولين الذين انتموا إلى حزب صدام حسين الحاكم من مناصبهم، ومنعهم من المشاركة في الحياة السياسية في المستقبل، ومكنهم ذلك من القضاء على آثار الدولة البعثية، ولكنه أيضا تسبب في انهيار المؤسسات المدنية في البلاد، ما خلق فراغ في السلطة تسارعت الجماعات الجهادية لملأه.

حملة تغيير

1

ومع استقرار (داعش) في المدينة، بدأ المقاتلون العمل على تغيير جوانب الحياة بأكملها، واستهدفت جهودهم الأولى المرأة. فعلقوا لافتات حملت صور نساء ارتدت ملابس سوداء ونقاب يغطيهن بالكامل، وأمر المقاتلون شركات الملابس بصناعة ملابس طويلة للغاية، ومنعوهم من صنع ملابس قصيرة أو ملونة.

وفي الوقت ذاته، أسس التنظيم نظامًا لجمع القمامة من الشوارع، ويقول عمر بلال يونس، سائق شاحنة، إن الجميع لاحظ أن المدينة أصبحت نظيفة، واختفت القمامة من كل مكان.

وبحسب المواطنين، فإن المياه لم تكن تنقطع كثيرا في بداية الفترة التي سيطر فيها (داعش) على المدينة، خاصة وأن مقاتلي التنظيم أنشأوا شبكات للمياه، رغم شن الغارات الجوية على المنطقة يوميًا.

وفي ظل جهود التنظيم الإرهابي لإحداث تغييرات في المنطقة، ألقوا بالمواطنين في السجون لجرائم غير منطقية، من ضمنها "نتف الحواجب"، أو الحصول على تسريحات شعر غريبة، أو لعب الدومينو، أو عزف الموسيقى وتدخين الشيشة"، ما جعل الأهالي يواجهون خيارين لا ثالث لهما، إما البقاء أو المغادرة.

ويقول محمد ناصر حمود، الموظف في وزارة الزراعة العراقية لقرابة 19 عامًا، إن المواطنين لم يكن لديهم أي خيار آخر، بعد استيلاء (داعش) على المدينة، بخلاف العودة إلى العمل، موضحًا أنهم قاموا بنفس المهام ولم يتغير أي شيء، بخلاف الإدارة الجديدة والتي تشكلت من قادة التنظيم بالتأكيد.

جمع الأموال

2

وبحسب وثائق كان يملكها شخص يُدعى ياسر عيسى حسان، بروفيسور شاب شغل منصب كبير في قطاع التجارة داخل وزارة الزراعة التابعة للتنظيم، فإن طموح التنظيم كان يعتمد على قدرته في العثور باستمرار على طرق لكسب المال.

وكشفت وثيقة أخرى عن إجراء التنظيم معاملات تتعلق بالزراعة فقط، بلغ قدرها نحو 19 مليون دولار، وأوضحت الوثيقة كيف يتمكن التنظيم من كسب المال من خلال كل خطوة متعلقة بالمعاملات الزراعية، فعلى سبيل المثال، قبل أن تبدأ زراعة القمح بالتحديد، كان المقاتلون يجمعون إيجار من المزارعين للسماح لهم بنثر البذور في أراضيهم، ثم يحصلون على ضريبة حصاد، عند جمع المحاصيل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فتقول الوثائق إن "الشاحنات التي تنقل المحاصيل (خاصة الدقيق) كانت تدفع رسوم للسير في الطرق السريعة، ثم يحصل المقاتلون على رسوم أخرى من المخازن، ويجمعون المال أيضا من المطاحن وأصحاب المحلات التجارية".

ووفقا لأحد الوثائق، فإن (داعش) جمع حوالي 1.9 مليون دولار، في 24 ساعة فقط عام 2015، من بيع القمح والشعير. وذكرت وثيقة أخرى أن المقاتلين كسبوا ما يزيد عن 3 مليون دولار خلال 3 أشهر من خلال بيع الدقيق في الأسواق المحلية في الموصل.

ووفقا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة، فإن (داعش) استولت على الأراضي الأكثر خصوبة في العراق، وسيطرت على المساحات التي توفر حوالي 40 % من الإنتاج السنوي للقمح والشعير في البلاد. وسيطرت في سوريا على حوالي 80 بالمئة من محصول القطن.

وفرض التنظيم ضرائب باهظة على المواطنين في الموصل، وتوضح الوثائق أن العراقيون كانوا يدفعون ضريبة جمع القمامة وصلت إلى حوالي 200 دينار – أقل من دولارين - و10 آلاف دينار – حوالي 8 دولار- لكل 10 أمبير يستخدمونه من الكهرباء، و10 آلاف دينار أخرى للمياه.

وكانت الذكاة أحد مصادر التنظيم لإثراء نفسه، إذ أوضحت الوثائق أن التنظيم كان يجمع الأموال من المواطنين بشكل إلزامي بحجة دفعها للفقراء، تنفيذًا لتعاليم الإسلام، إلا أنه استخدم هذه المبالغ لصالحه.

وتُشير التقديرات إلى أن (داعش) أصبح أغنى تنظيم إرهابي في العالم، لاسيما وأنه قام بعدة صفقات لبيع النفط في السوق السوداء، فكسب في أحد المراحل أكثر من 2 مليون دولار في الأسبوع الواحد.

بعد داعش

3

وفي أحد الأيام في أواخر عام 2016، وصلت نشرة مزينة بالعلم العراقي إلى منزل عائلة حمود، حيث كان المسؤول العراقي وعائلته يجلسون داخل إحدى الغرف، يحجبون الاتصالات عبر الهواتف المحمولة، ويشوشون على إشارات الأقمار الصناعية، من أجل فصل المواطنين عن العالم.

وكانت هذه النشرة واحدة من بين الملايين التي وصلت إلى بيوت مواطني الموصل، تحثهم على الاحتماء وأخذ احتياطاتهم لأن الهجوم العسكري ضد داعش سيبدأ.

وهنا تساءل حمود: "هل هذا يمكن أن يحدث؟!"، ثم استخدم حرق هذه النشرة وتخلص منها.

وذكرت الصحيفة أن معركة انتزاع الموصل من أيدي (داعش) استغرقت حوالي تسعة أشهر، واعتبر جنرال أمريكي كبير هذه المعركة أحد أصعب المعارك التي شارك بها خلال عمله الذي استمر قرابة 35 عامًا.

ومنذ ذلك الحين، خسر مقاتلو داعش المساحات التي سيطروا عليها في سوريا والعراق باستثناء 3 بالمئة فقط، والتي يتشبثون بها بقوة، ويحاولون الحفاظ عليها باستماتة.

وتُشير نيويورك تايمز إلى أن المعركة تسببت في خسارة آلاف المواطنين لمنازلهم، واكتشاف مقابر جماعية جديدة كل شهر. ورغم الخراب الذي حلّ على المنطقة، يقول حمود إن حكم (داعش) كان به بعض الأمور الجيدة، أهما أن البلاد كانت أكثر نظافة عن ذي قبل.

وما يزال النظام الحكومي الذي أسسه (داعش) في المدن التي سيطر عليها باقيًا رغم خروج مقاتليه، ففي مدينة تلكيف، شمال غرب العراق، يتذكر المواطنون كيف قام مقاتلو التنظيم بتوظيف لجنة من المهندسين الكهربائيين لإصلاح الكهرباء، والذين ركبوا قواطع دوائر جديدة، ولأول مرة منذ سنوات، تمتع أهالي المدينة بالكهرباء لستة ساعات في اليوم، بحسب الصحيفة الأمريكية.

وفي بداية عام 2017، استعاد الجنود العراقيون المدينة، حيث رحب بهم المواطنون كالأبطال، إلا أن الفرحة لم تدم طويلا، إذ ساءت الأمور مرة أخرى، بعد قطع الكهرباء ومصادر الطاقة في ظل جهودهم للقضاء على فلول التنظيم في المدينة.

تقول الصحيفة الأمريكية إن (داعش) تمكن من القضاء على بعض المشاكل التي تواجه أهالي الموصل، وهي شعورهم بالظلم وعدم المساواة. وهذا ما أكده يونس، سائق شاحنات عراقي، والذي قال إن العراقيين سيقبلون جبهات المسؤولين الحكوميين إذا عملوا وفقًا للنظام الذي وضعه (داعش) في المدينة، حسب قول الصحيفة.

ويتفق معه أحمد رمزي سليم، صاحب أحد المحلات التجارية في المدينة، والذي يقول إنه "بالرغم من عدم الاعتراف بهم كدولة، إلا أنهم تصرفوا وكأنهم يحكمون دولة بالفعل".

مصراوي Masrawy