أخبار عاجلة

«الخدعة» كيف أخلت المخابرات المستشفيات استعدادا للحرب أمام أعين إسرائيل؟

«الخدعة» كيف أخلت المخابرات المستشفيات استعدادا للحرب أمام أعين إسرائيل؟ «الخدعة» كيف أخلت المخابرات المستشفيات استعدادا للحرب أمام أعين إسرائيل؟

التحرير

ارسال بياناتك

44 عاما مرت على يوم العبور العظيم للجيش المصري لقناة السويس، مستردا «سيناءه» من قبضة عدو جبان، وعلى طول الجبهة رسم الجيش المصري ملحمة لن يكررها التاريخ... عبقرية العبور وقفت خلفه أجهزة وصلت الليل بالنهار للتخطيط لكل صغيرة وكبيرة، ولجأت أجهزة المخابرات المصرية لـ«المكر الاستخباراتي» في سبيل تجهيز الجبهتين الداخلية والعسكرية للحرب دون أن يلفت انتباه العدو.. وفي سبيل إلقاء الضوء على تلك "الحيل" ننشر حلقات تباعا.

السادات بعد الحرب

كيف تم إخلاء المستشقيات لعلاج مصابي الحرب؟

ولكي تكتمل عملية خداع العدو الصهيوني، كان ينبغي دراسة أدق التفاصيل بمنتهى العناية، وكان من ضمن تلك التفاصيل وأكثرها أهمية، كيفية إخلاء المستشفيات لتوفير أماكن لعلاج المصابين في الحرب، دون أن تنتبه إسرائيل إلى أن عملية الإخلاء استعدادا للحرب، وتأخذ حذرها وخاصة أن الخبراء قدَّروا أن عدد الجرحى سيبلغ 50% في موجة العبور الأولى، ثم يتناقص هذا العدد تدريجيا أثناء الحرب، ولذلك كان من الضروري إخلاء عدد من المستشفيات المدنية؛ حتى يمكنها استقبال هذا العدد، الذي بالطبع لن تستوعبه مستشفيات القوات المسلحة وحدها.

ويتحدث الكاتب نبيل فاروق في كتاب "الدرس"، الذي جمع فيه قصصا حقيقية من أرشيف المخابرات العامة، والتي ظلت لأعوام طويلة تحت تصنيف "سري للغاية"، عن خطة الخداع التي قامت بها المخابرات العامة، لإخلاء عدد من المستشفيات الحكومية على مرأى ومسمع من الإسرائيلين، دون أن ينتبهوا إلى الهدف الحقيقي من ذلك الإخلاء وهو الاستعداد للحرب.
ففي سبتمبر 1973 اجتمع عدد من رجال المخابرات العامة، أي قبل الحرب بأسابيع قليلة، للتشاور في كيفية إخلاء المستشفيات لسبب منطقي دون إثارة الشكوك، وبعد اجتماع دام لـ7 ساعات متواصلة، توصلوا إلى أن الإخلاء لا بد أن يكون لسبب طبي بحت، وهو أن المستشفيات غير مؤهلة لمعالجة المرضى لتفشي الأمراض والأوبئة بداخلها بما يهدد حياة المرضى الموجودين بها.

ولتنفيذ تلك الخطة، تم إعفاء ضابط طبيب من إحدى الوحدات العسكرية بالسويس من الخدمة العسكرية، وعودته للحياة المدنية، ولما كان ذلك الإجراء نادر الحدوث في تلك الفترة، أظهر الضابط فرحة وسعادة كبيرة بذلك الأمر، وأقنع المقربين منه بأن تفوقه هو ما منحه ذلك الامتياز عن أقرانه، وعودته للحياة المدنية لاستكمال دراساته العليا، التي توقفت بسبب التحاقه بضباط الاحتياط.

وتسلم الضابط جواب تعيينه بمستشفى "الدمرداش"، والذي يعتبر من أكبر المستشفيات الحكومية، وبعد مضي أسبوع من تسلمه لمهام عمله في المستشفى، تقدم بمذكرة لمدير المستشفى تفيد أن معظم عنابر المستشفى ملوَّثة بـ"التيتانوس"، وبالطبع لم يقتنع المدير بتلك المذكرة، ولكن مع إصرار الطبيب على رأيه، وتحذيره لمدير المستشفى بأنه سيتحمل عواقب تفشي الميكروب وسط المرضى، قرر المدير إجراء فحص شامل، وتم أخذ بعض العينات من العنابر، وإرسالها للمعامل المركزية بوزارة الصحة.

وبالرغم من خلو المستشفيات فعليا من "التيتانوس"، فإن نتائج التحاليل جاءت لتؤكد أن جميع العينات إيجابية، وكأن المستشفى الشهير تحول إلى مزرعة نشطة للميكروب، وبالفعل صدر قرار بإخلاء المستشفى تماما من المرضى الموجودين بها وتوزيعهم على باقي المستشفيات.
واجتمع رجال المخابرات العامة مرةً أخرى للتفكير في كيفية إخلاء باقي المستشفيات الحكومية، بخطة مختلفة، لأنهم لو اتبعوا الأسلوب ذاته في باقي المستشفيات، ستنتبه المخابرات الإسرائيلية، إلى أن الأمر ليس طبيعيا، مما سيثير شكوكهم، ويدفعهم إلى دراسة الأمر وتحليله، ومن المرجح أن يتوصلوا إلى السبب الحقيقي وراء الإخلاء، وهو الاستعداد للحرب.

السادات والمشير إسماعيل

لذلك لجأت المخابرات إلى حيلة أخرى، وهي الاستعانة بالصحافة للترويج لأن المستشفيات الحكومية، أصبحت خطرا على حياة المرضى، لتفشي الأمراض الوبائية بها نتيجة الإهمال المسيطر على قطاع الصحة، واختارت المخابرات الصحافة تحديدا لمعرفتهم بأن الصحافة مصدر من مصادر مخابرات العدو تستقي منها الأخبار؛ حيث إن لكل جهاز مخابرات قسما خاصا مهمته الحصول على الصحف يوميا، للاطلاع على ما بها من أخبار ودراسته وتحليله واستقاء المعلومات منها.

شاهد أيضا

مستشفى الدمرداش

وبالفعل، وبحسب ما جاء في كتاب «الدرس» لنبيل فاروق، تم استدعاء صحفي وكاتب كبير، له مصداقيته وتأثيره الكبير على المصريين، للترويج لأن المستشفيات الحكومية بها وباء قاتل، واللافت أن رجال المخابرات لم يخبروه بالسبب الحقيقي وراء عملية الإخلاء، بل أخبروه بأنهم يجرون تجربة عملية لما يمكن أن يحدث في حالة لو لجأ العدو إلى الحرب البكتريولوجية، ونشر نوعا من الميكروبات في البلد، وخاصةً المستشفيات، فكم من الوقت اللازم للإخلاء، وأخبروه بأن أنسب وسيلة للتجربة، دون إثارة ذعر المواطنين، هو ادّعاء وجود ميكروب يلوث عددا من المستشفيات، مما يحتم إخلاءها بأقصى سرعة.

العبور

وبالفعل اقتنع الكاتب الكبير "م.ص" (لم تُفصح المخابرات عن اسمه كاملا)، بكلام رجال المخابرات، بل وتحمس جدا للفكرة، ونشرت جريدة الأهرام في الصباح التالي، خبر إخلاء مستشفى الدمرداش بسبب تلوث عنابره بداء "التيتانوس"، ثم جاء دور الكاتب "م"، والذي كتب مقالا شديد اللهجة، يستنكر فيه الإهمال الذي طال مستشفى الدمرداش، وكيفية الاستهتار بحياة المواطنين لذلك الحد، وتساءل في نهاية مقاله عما إذا كان الأمر يقتصر على مستشفى الدمرداش أم أن مسلسل الإهمال قد طال باقي المستشفيات.

العبور 2

وظلَّ الكاتب الكبير لمدة 4 أيام متتالية يتحدث في الموضوع ذاته، وعن الاستهتار بحياة المرضى، مما كان له بالغ الأثر في نفوس المواطنين، واستنكارهم الشديد لما آلت إليه الأحوال، ومع تلك الحملة الصحفية الساخنة على المستشفيات، أصدرت وزارة الصحة قرارا بإجراء تفتيش وقائي على باقي المستشفيات لطمأنة المواطنين بأن المستشفيات الحكومية خالية من الأمراض.

وجاءت نتائج التحاليل لتؤكد وجود عدوى في المستشفيات، التي تنوي وزارة الدفاع إخلاءها استعدادا للحرب، بينما المستشفيات الصغيرة جاءت نتائجها بأنها خالية من الأمراض والأوبئة، ومع الأيام الأولى لشهر أكتوبر، كان العدد المطلوب من المستشفيات قد تم إخلاؤه نهائيا، ونشرت جريدة الأهرام تحقيقا صحفيا مطولا عن ذلك الأمر، مع صور العنابر والأسرَّة الخالية، وعمليات التطهير المستمر للمستشفيات.

وبالفعل نجحت خطة المخابرات العامة في إخلاء المستشفيات دون لفت نظر العدو الإسرائيلي، ليكتمل عامل المفاجأة لأقصى حد، وتم مباغتة العدو تماما، حتى إن معدلات الخسائر التي قدَّرها الخبراء بـ50% في موجة العبور الأولى، انخفضت لأقل من 10%، وهو أقل معدل خسائر عرفته الحروب الحديثة في عملية عبور مانع مائي حصين.. ليكون النصر حليفنا وننتصر في حرب العِزة والكرامة.. حرب السادس من أكتوبر 1973.

غدا حلقة جديدة عن مكر ودهاء المخابرات العامة لإدخال شحنة مصابيح لاستخدامها ليلا بالجبهة.. وكيف ابتلعت إسرائيل الطعم.
 

التحرير