أخبار عاجلة

"مصراوي" بمنزل عم نسيم.. رسائل أسرة شهيد "أحيا الناس جميعًا" أمام "المرقسية"

مصراوي Masrawy

الإسكندرية - محمد أحمد ومحمد عامر:

"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".. البيت هنا لا يعرف إلا السلام، والسواد عارضًا بدّل العيد حزنًا على رب أسرة قادته الأقدار إلى أبواب "المرقسية" للمرة الأولى والأخيرة في حياته، لينقذ عشرات الأبرياء من مصير تلقاه وعدد من أبطال شاركوه فداء الغير بالنفس.

الوجوه هنا شاحبة يملؤها الحزن، إلا من ترنيمة خافتة الصوت بدت في خلفية المشهد متغنية بـ "يا عدرا يا أمي"، لتملئ القلوب هدوءًا رصده مصراوي الذي حمل رسائل أسرة عم نسيم فهيم بخيت، الموظف الموظف الشهيد على أبواب دار العبادة المسيحية الأقدم في إفريقيا في أول أيام أسبوع الآلام.

"نسيم طول عمره إنسان وديع ومحب وخدوم.. محدش كان بيطلب منه شيئ ويتأخر عليه"، قالت سميرة شفيق، زوجة "عم نسيم"، واصفة شريك حياتها، مضيفةً: "ربى أولاده أحسن تربية، وعندنا مينا خريج كلية سياحة وفنادق وجورج خريج هندسة، وهو كان منتظر وصول حفيده للدنيا.. كان فضله شهرين ويوصل.. وكان دايما يقول لما حفيدي ييجي هيكون لعبتي ودنيتي كلها".

مصراوي بمنزل عم نسيم (3)

صمتت الزوجة المكلومة لحظات، وتابعت: "أنا كنت منهارة لكن بعد الصلاة ربنا أودع السكينة في قلبي، وأنا فرحانة بيه أتمنى أنول الشهادة دي ليا، وأنا متعزيه فيه ومتشفعه بيه في السما، واتمنى أكون جنبه."، لافتة إلى أن الأيام الأخيرة قبل وفاته كانت مختلفة حيث كان هادئًا أغلب الوقت على غير العادة، قائلة "كان عنده هدوء داخلي وكنت بكلمه بقوله مالك، وكان يقولي مفيش حاجة وكأنه كان حاسس بالنهاية".

وتروى زوجة نسيم عن يوم الحادث، قائلة "أنا اللى صحيته يوم الحادثة علشان يروح الكنيسة، وأنا كنيستي في سيدي بشر وروحت هناك أشارك في القداس وكنت متعودة يكلمني دايمًا لكنه المرة دي مكلمنيش، ولما خرجت من الكنيسة عرفت الأخبار وفوجئت باللي حصل وبقيت بجري في الشارع. كنت عاوزة أطمن عليه واللي زاد قلقي إن تليفونه كان مقفول".

وكشفت أرملة شهيد المرقسية عن مفاجئة بشأن يوم الحادث، إذ أكدت أنه ذهب للكنيسة في يوم إجازته وأنها كانت المرة الأولى في حياة زوجها التي يقف فيها على أبواب الكنيسة رغم سنوات عمره التي قضاها في العمل كموظف داخلها، قائلة "نسيم إجازته يوم الأحد وأصلاً شغلته مش بره، بيشتغل جوه في ديوان الكنيسة، وعمري في حياتي ما شوفته واقف هنا وهما طلبوا منه يطلع بره لأنه بيجيد التعامل مع الناس، وأنا تخيلت أنه قرر يقف بره بعد ما سمع واقعة انفجار كنيسة مارجرجس في طنطا".

مصراوي بمنزل عم نسيم (11)

ووجهت زوجة "عم نسيم" رسالة إلى من وصفتهم بالمتسببين في مجزرة الكنيسة المرقسية، قائلة: "كل اللى هقوله للي عملوا كدا ربنا يسامحكم، أنا مسامحاكم، وبصلي لكم إن ربنا يفتح بصيرتكم ويوعيكم، واحنا مش وحشين وبنحبكم والمسيح علمنا حكمة (صلوا للذين يسيئون إليئكم)".

وتابعت في رسالتها: "بنطلب منكم تفكروا وتسألوا نفسكم، اللي انتو بتعملوه دا ليه، وهتستفيدوا منه إيه، مش قادرة أقولكم إننا بنكرهكم وحتى كلمة منكم لله مقدرش أقولهالكم، كل اللى أقدر أقوله إرجعوا فكروا في اللى بتعملوه لأنكم مغيبين."، مضيفة" أنا ليا جيران وصحاب كتير مسلمين متربيين في منطقة واحدة سوا من زمان عمرنا ما شوفنا كدا وسطنا".

من جانبه، قال جورج نسيم نجل بطل الكنيسة الراحل: "اللى حصل لا بترتيب إرهابي ولا بأي حاجة ممكن تتسمى بمسميات أرضية ولكن بإرادة الله، واليوم كنت قاعد مع أبونا وقالي إن كل شيء حلو بيحصل بيكون بإرادة الله وكل شيء وحش بيكون بسماح من الله، وأنا هقول إنها إرادة الله، مين فينا ميتمناش حاجة زي كدا".

وتابع نجل عم نسيم قائلاً: "بعد الحادث جالي تليفون من صديق عزيز اسمه كريم، قالي إن اللي حصل لوالدك أن بتمناه، دا شخص فاهم يعني إيه إنه يكون شهيد، كلنا في كل الأديان السماوية عارفين معنى إنك تكون شهيد، أبويا متنيح وهو بيأدي عمله على أكمل وجه".

وأضاف "لما تلاقي حد بيقوم بعمله بضمير على أكمل وجه حتى لو مكانش عمله الرئيسي، ويموت بالطريقة دي دا يخليني فخور بيه واتمنى أكون زيه، طلبت من أبونا في الكنيسة إني اكمل عمل والدي، وأبونا مرفضش".

وعن رد فعله بعد الحادث، قال "اتفقنا كل واحد يدور على أبويا وواحد مننا يستنى في البيت ويهدي الناس، كنت متابع ومفيش مستشفى مدخلنهاش بحثا عن والدي، طول اليوم منظر الانفجار بيقول ان والدي متوفي، ودا شيء لا غبار عليه، لكن كانت المشكلة البحث هل جسمه كامل ولا تحول لأشلاء نتيجة الانفجار، وعدم وجوده في أي مكان كان بيزود تعبنا، لحد ما جالنا تليفون من أبونا في الكنيسة قالي متقلقش والدك جسمه كامل والخدام وصلوه للإسعاف، لكننا بنبحث دلوقتي وبنساعد الناس."

وعن لحظة تلقيه نبأ العثور على جثمان والده، قال: "استقبل اخويا تليفون بيقوله تعالي اتعرف على أبوك لأنه شبه عم نسيم، وطلعت جري على المشرحة وأنا مش عارف إيه اللى هيحصل، في البداية رفضوا يدخلوني ولكن لما وريتهم بطاقتي تعاونوا معايا، وتعرفت عليه بمجرد ماشوفته بإحساسي أنه أبويا، وكل اللى قدرت اعمله إني أبوس رجله".

واختتم جورج حديثه قائلاً: "اللى يضايق مش انه اتنيح لأن فيه ناس كانت بتزرغت في الجنازة، لكن اللى يضايق إني مش هقدر أشوفه تاني، وكل اللى أقوله إن أبويا سيرته العطرة هتفضل موجودة في كل حتة بين كل الناس وانا فخور بيه وهكمل في مكانه من بعده".

كان انتحاري فجر نفسه أمام أبواب الكنيسة المرقسية في الإسكندرية، أمس الأول، مما أسفر عن سقوط 17 شهيدًا وإصابة 41 آخرين تم نقلهم لمستشفيات الأميري الجامعي، والشرطة، ومصطفى كامل العسكري.

وشيعت الإسكندرية أمس عددًا من ضحايا حادث تفجير الكنيسة المرقسية في الإسكندرية، منها جثامين العميد نجوى الحجار، وأمين شرطة أمنية رشدي، اللتين استشهدتا أثناء تأدية واجبهنا في تأمين الكنيسة المرقسية ليوارى جثمانهما الثرى بمقابر العمود بمنطقة كرموز.

فيما شيعت جثامين 7 من ضحايا الحادث في دير الشهيد العظيم مارمينا العجايبي بمنطقة كينج مريوط غربى الإسكندرية، وسط حالة من الحزن والغضب. ونُقلت جثامين الضحايا إلى مقر المقبرة الجماعية التي أعدت خصيصًا لهم بجوار مقبرة شهداء تفجير كنيسة القديسين الذي وقع في الساعات الأولى من صباح أول أيام 2011.

والضحايا هم كل من "جرجس غطاس عطا الله، وحنان لمعي درياس، وميلاد نظيم جرجس، والطفلة لوسيندا كريستيان كمال، وبيشوي عبد الملاك عيسى، ونسيم فهيم بخيت، وإبراهيم جرجس باخوم".​

مصراوي Masrawy