أخبار عاجلة

تفاصيل الليلة الأخيرة في حياة «انتحاري المرقسية»

تفاصيل الليلة الأخيرة في حياة «انتحاري المرقسية» تفاصيل الليلة الأخيرة في حياة «انتحاري المرقسية»

التحرير

ارسال بياناتك

انتهى من صلاة العشاء في جماعة، ولم يترك صلاة السُنة، داخل زاوية صغيرة بإحدى مزارع طريق «القاهرة - الإسكندرية» الصحراوي، قرب محافظة الإسكندرية، ذهب لغرفته المظلمة وأضاء مصباحها، ونزع جلبابه الأبيض القصير.

شرع في قراءة «ورده» اليومي - الورد بكسر الواو تعني النّصيب من الشيء، ولكل مسلم ورد يقرأه، و يقوم به كل يوم أو كل ليلة سواء من دعاء أو قرآءة القرآن الكريم-، فإذا بالأمير - قائد مجموعته التكفيرية - يرسل إليه للحضور، ارتدى جلبابه وذهب مسرعًا.

- الأمير: أبشر يا أبا البراء

- أبو البراء: خير يا أمير

- الأمير: لقد اصطفاك الله سبحانه لإعلاء كلمة الحق، وإهلاك أعدائه الصليبيين والمرتدين

- أبو البراء: حقًا؟! الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

- الأمير: نريدك أن تُذيقهم غدًا أشد العذاب، وتقع منه الكثير من الهلكى، انتقامًا لدماء المسلمين التي أراقوها في شتى بقاع الدولة الإسلامية

- أبو البراء: بإذنه وفضله لن أخذلك

- الأمير: إذن فجهز نفسك، والإخوة سيطلعونك على كل شيء

- أبو البراء: أمرك يا أمير

80687fd171.jpg

غرفة الأسلحة

توجه أبو البراء إلى المسئول عن غرفة السلاح والذخيرة، صحبة اثنين من التنظيم، وأخذا يشرحا له تفصيلياً ماذا سيفعل، على خريطة تُوضح موقع الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وأين يسير وماذا سيرتدي، وكيف سيضع يده طول الوقت داخل سترة ملابسه ممسكًا بزر التفجير تحسبًا لأي خطر.

لكنهما أكدا عليه ألا يستخدم زر التفجير، سوى في اللحظة المناسبة، حين يجد نفسه وسط تجمع كبير من الأقباط، كي يقع منهم الكثير من القتلى والضحايا.

«وحشتنا أوي يابا»

توجه إلى غرفته، وبدأ التحدث إلى زوجته وأبنائه، في هاتف منحه إيَّاه الأمير، وقطعًا برقم دولي.

- أبو البراء: ألوو.. إزيك يا أم العيال

- الزوجة: ألوو.. يااه.. إزيك يا أبو العيال.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك

- أبو البراء: إنتي اجننتي يا ولية.. بتحسبني عليا

- الزوجة: والله حرام عليك.. أنا تعبانة ومحتاجالك أوي أنا وعيالك، عارف أنا مشوفتكش من كام سنة؟.. من 3 سنين و10 شهور و20 يوم

- أبو البراء: تعبانة ليه يا ست إنتي.. مش الفلوس اللي ببعتهالك بتوصلك

- الزوجة: فلوس إيه.. وحشني حضنك.. الليل لما بيليل عليا وأنا وولادك لوحدنا بنخاف.. بنموت في اليوم ألف مرة وعيون الناس مبترحمش

- أبو البراء: خلاااص هانت يا أم البراء

- الزوجة: بجد!.. خلاص هترجع لنا؟

- أبو البراء: لأ.. أنا رايح لمكان أحسن.. ادعيلي

- الزوجة: مكان أحسن؟!.. وهو في مكان أحسن من حضني.. أنا وولادك؟

- أبو البراء: متصعبيش عليا الأمور.. أنا بكلمك بس عشان أعرفك إن لحظة الرحيل عن الدنيا الفانية قد أتت

- الزوجة: أنت بتقول إيه يا راجل أنت.. أنت ناوي على إيه؟

- أبو البراء: بكره هتعرفي..

- قاطعته الزوجة: أنا مش هستنى لبكرة.. حرام عليك هتسبني لمين ده محدش بيسألني كلتي ولا لأ.. عيالك شبعانين ولا لأ.. روح يا شيخ قلبي مش مسامحك

- أبو البراء: ده قضاء الله وقدره

- الزوجة: ربنا مقلش كده.. قال ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

- أبو البراء: دي حاجات ميفهمهاش اللي زيك.. المهم افتحي السماعة الخارجية عشان أودع العيال

- الزوجة: عيال مين.. أوع تفتكر أنك أبو العيال دي.. أنت لو أبوهم مكنتش تهرب وتسيبهم

شاهد أيضا

- أبو البراء: أهرب!.. إنتي عارفه إني مشيت عشان أنصر دين الله!!!

- الزوجة: مين اللي قالك إن ربنا مستنيك إنت عشان تنصر دينه.. وبعدين تفهم إيه في دين الله

- أبو البراء: اديني العيال.. وافتحي السماعة

- الزوجة: أدي الزفته السماعة

- أبو البراء: وحشتوني يا عيال أوي.. وهتوحشوني أكتر، عاملين إيه؟ شكلكم بقى عامل إزاي.. قولولي؟

- أبناؤه: إزيك يابا إحنا كلنا زعلانين منك.. سايبنا ورايح فين تاني؟

- أبو البراء: مرضاة الله مقدمة على كل شيء يا ولاد.. بكرة تكبروا وتفهموا

- أبناؤه: إحنا مبقناش صغيرين.. إنت وحشتنا أوي ونفسنا نشوفك.. متسبناش يابا إحنا محتاجين

وهنا اضطر أبو البراء إلى غلق الهاتف في وجه أسرته، بعدما لم يعد يقدر على أن يجيب على أسألتهم، وانهمر في البكاء، وشعر بمدى اشتياقه واحتياجه لأبنائه وزوجته.

بدأت التساؤلات تدور في رأسه، هل قتله الأقباط نساءً وأطفالاً وشيوخ، حق وسيجازيه الله عليه خيرًا، وسيدخله جناته، أم أنه سيرتكب إثماً عظيمًا؟، استعاذ من الشيطان ولكن لم تهدأ خواطره.. هل تركه زوجته وأبناءه يواجهون الحياة بكل ما فيها حلالاً؟، هل سيدفع أهله ثمن ما سيفعله من سجن وتعذيب وتشريد؟ أم أنه لن يقترب منهم أحد؟. نيران الخوف والقلق اشتعلت داخل نفسه، فقرر أن يتوضأ ويصلي صلاة استخارة عسى يهديه ربه.

السرطان ينخر في ثديي أمه

أخذ يصلي ويصلي، وتذكر وهو ساجد أمه التي ماتت بعدما نخر السرطان في جسدها، وقضت آخر أيامها على قوائم الانتظار الطويلة لإجراء جراحة استئصال ثدييها، لكن دون جدوى.

وأخوه طالب الهندسة المحكوم عليه بالسجن لأكثر من 15 عاما، والذي فقد إحدى عينينه بعدما خرج في مظاهرة لتأييد «المعزول» مرسي، ولم يستطع أن يفعل له شيئًا، سوى اللجوء للمشايخ، فكان منهم أن استقطبوه وسيطروا على تفكيره، فأقنعوه بالسفر إلى سوريا لمحاربة بشار الأسد، ذلك العلوي الرافضي، عدو الله - كما يرون -، وحينما سألهم عن موقف أخيه فأكدوا أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذه، فسافر إلى سوريا.

انتهى من صلاته وظل يقرأ «ورده» وأذكاره، وحاول النوم متحايلاً، فتذكر جاره القبطي «صليب» الذي أنقذ زوجته وأولاده من حريق بمنزلهم عند عودته ليلاً من عمله.

المناظرة

استيقظ صباحًا ولديه يقين أنه لن يقتل نفسًا حرم الله إلا بالحق، دخل عليه أعضاء التنظيم وبدأوا في تجهيزه لـ"الغزوة"، لكنه أبدى بعض الرفض.

- أبو البراء: مش كده حرام.. طيب الستات والعيال الصغيرة اللي هتموت دي ذنبهم إيه؟

- التنظيم: أنت هتعرف أكتر من علمائنا الأجلاء، وبعدين هتروح بعيد ليه.. فضيلة الأمام محمد صالح العثيمين، مفتي المملكة العربية السابق، أجاز قتل نساء وأطفال من "الكفار" حينما رد على سؤال هل يجوز قتل نساء وأطفال "الكفار" إن فعلوا ذلك بنا؟، قائلاً: "الظاهر أن لنا أن نقتل النساء والصبيان لما في ذلك من كسر قلوب الأعداء وإهانتهم، ولعموم قوله تعالى: "من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه، بمثل ما اعتدى عليكم".

- أبو البراء: لكن هناك الكثير من الشيوخ يكذبون هذا، فالشيخ لم يقل هذا

- التنظيم: طيب هتقول إيه في الحديث الشريف: "أُمِرْتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَشهدُوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله".

- أبو البراء: أنتم تعلمون أن لكل نص بيئة وظروف وله تفسير، فهذا الحديث كان في غزوة بدر، وتلك الغزوة كانت على المدينة المنورة، وتعني أن الكفار هم من كانوا يقومون بالاعتداء على المسلمين، وليس العكس.

- التنظيم: وماذا عن الآية الكريمة "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم".

- أبو البراء: وأيضًا هذه الآية لم تنزل للعموم، ولكن في واقعة حرب بعينها.

- التنظيم: شكلك هتتعبنا.. إنت ناوي على ايه؟!

- أبو البراء: يعني إنتو متأكدين؟

- التنظيم: أيوة طبعاً.. يلا جهز نفسك والبس الحزام الناسف عشان هنتحرك.

- أبو البراء: عيالي أمانة في رقبتكم.

- التنظيم: ماشي ماشي.

 

لحظة التنفيذ

تحرك ثلاثتهم في سيارتهم الدفع الرباعي، دخلوا الإسكندرية، تركوا سياراتهم واستقلوا أخرى كانت في انتظارهم، ساروا بها إلى منطقة الرمل حتى اقتربوا من شارع الكنيسة، فنزلوا متفرقين، وشرع أبو البراء بالمسير في خطوات ثابته المقدار، لا تزيد واحدة عن الآخرى، واضعاً يده على زر التفجير، أشبه بالإنسان الآلي الذي تم توجيهه بالريموت كنترول، كأنهم اتفقوا حتى على شكل الخطوات، أدرك أنه لا مفر من التنفيذ، حاول أن يقنع نفسه بأن ما يفعله شئ عظيم.

توجه إلى البوابة الحديدية للكنيسة، محاولًا تفادي البوابة الإليكترونية لتفتيش من يريد الدخول، لكن الأمن طالبه بالمرور عبر البوابة الإليكترونية، التي أصدرت صفيراً كثيرًا أربكه، فتصبب عرقًا وقرر الرجوع والركض، لكنه علم أنه إذا ركض سيتم إطلاق النار عليه، فيموت بمفرده، فلا قتل أحدًا ولا عاد لزوجته وأبنائه.

قرر الخلاص. ضغط على زر التفجير، فتحول في لحظات إلى أشلاء، وسقط من حوله ضباط وعساكر ونساء وأطفال، أقباطًا ومسلمين، وصل عددهم إلى 17 شهيداً و48 مصاباً - حتى كتابة هذه السطور- وتحول الموقع إلى أشلاء ودماء، وسيطر اللون الأحمر على المكان برمته.

تنويه: التقرير مبني على سيناريو تخيلي استعنا في إعداده بالدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية، وصبرة القاسمي، الباحث في شئون الجماعات الإسلامية، ومنسق الجبهة الوسطية لمواجهة الفكر التكفيري.

التحرير